metellus metelli متالي

الجذور الرومانية لمنطقة الماتلين

بسم الله الرحمان الرحيم

بعد ان اصبحت لدينا القناعة الكافية بان تاريخ الماتلين هو تاريخ ممتد للفترة القبصية و ما بعدها من الحظارات الكبرى التي عرفتها شواطيء البحر الابيض المتوسط فها أنني اعود لكم بالجديد لابين لكم ايها الاخوة و الاخوات ان منطقة الماتلين و من خلال التسمية فحسب لها جذور رومانية كنظيراتها في اليونان و الاندلس و ان الرابط الذي يجمع بين هذه البلدان انما هو العائلة الرومانية المعروفة بميتالي الى يوم الناس هذا

هل من الممكن ان تكون (ماتلين) موجودة باسمها الحالى

منذ العهد الروماني ؟

ليس للتاريخ حقيقة كاملة مثلما ليس لعلم الانسان كمال هذه المقولة جعلت من البحث المستمر أمرا مؤكدا بل و ضروريا للارتقاء نحو الافظل، و الغاية ليست لبيان أخطاء من سبقونا بل لاثراء المعرفة و عدم الوقوع في الجهل الذي نحسبه علما لان التاريخ ينطلق من وقائع و دراسات و كتب و أبحاث و مقارنات تتغير بمفعول الزمن و تطور العلم و طرق البحث، إنها مقولة فلسفية تخاطب العقل البشري لتقول له "إن حقيقة اليوم ليست بالضرورة حقيقة الغد "

لقد استند الباحث الدكتور عز الدين قلوز على حقائق تاريخية ليبني أطروحته المتّالية القائلة بأن جذور ماتلين تعود للقرن السادس عشر ميلادي مع قدوم الجالية الموريسكية التى فرت من القمع في اسبانيا ،فاستوطنت في شمال افريقيا، و تزامنت مع فرمان سلطاني عثماني يمنح متقاعدي الجيش الانكشاري أحقية امتلاك اراضي في الشمال التونسي مما جعل فئة منهم ذات جذور تعود لجزيرة يونانية تسمى (لاسبوس) من مدينة تدعى (ميدللي) بالتركية (ميتليني بلغة اليونان)، كانوا ضمن اسطول بوعروج و خير الدين بربروسا اللذين ولدا أيضا في ذلك المكان، يمنحون اسم مدينتهم لهذه المنطقة في تونس لتبرز بذلك ماتلين.

أما دليله على ذلك فهو أن جميع المصادر التاريخية لم تذكر اسم أي مدينة في هذه الانحاء بهذا الاسم (ماتلين)قبل القرن 16م.

و لكن اكتشاف خرائط الريس بيري العثمانية جعلت أطروحته عرضة للمراجعة المتأكدة،فقد بينت الخريطة بوضوح أن هناك مدينة تسمى (نيم اده لري) بهذه المنطقة قرب مدينة أخرى تسمى (نوصايبه) تقع قرب قنال بنزرت .

فماذا تعني هذه الكلمة (نيم اده لري) ؟

بعد التحري و البحث الذي تمكنت من القيام به تأكدت أن هذا الاسم ليس تركيا و إنما هو عبارة عن ترجمة حرفية لكلمة إيطالية تعني (نوميديا الملك NUMEDI ELRE ) ممّا قادنى للبحث عن الممالك النوميدية في العهد الروماني و القرطاجي و هو ما اعطاني فرصة للوقوف على أحداث تاريخية هامة جدا لاثراء ابحاثي القديمة.

ومن الممكن أن تكون المملكة النوميدية المقصودة هي مملكة القائد "يوغرطة" و من بعده "جوبا الاول".

 

و باختصار شديد يبين التاريخ أن القائد النوميدي يوغرطةكان يسعى لقيام مملكة نوميدية مستقلة عن حكم الرومان في شمال افريقيا لكن هدفه لم يكن ليعجب روما التى عملت بكل ما لديها من امكانيات حربية و دهاء سياسي على منع هذا التحالف الامازيغي و تقسيم هذه المملكة الى اجزاء و زرع حكام يدينون لها بالولاء و بالتالى القضاء على القائد يوغرطة الذي اصبح يسبب لها المشاكل و يعارض سياستها ،خاصة وأن روما لم تنس أبدا القائد القرطاجي حنبعل و جنوده الامازيغ (النوميديين) الذين زحفوا نحو أوروبا و روما و كادوا يمحونها من الوجود .

 

كان يوغرطة قائدا بارعا و سياسيا مخادعا فاستطاع أن يرتشى بعض المبعوثين و أن يغتال خصومه النوميديين تمهيدا لأن ينفرد بالحكم و لكن مجلس روما اكتشف تدبيره فجهزوا جيشا عام 109ق.م يقوده القنصل ميتاليوس وهو قائد من الاشراف فى ذلك الوقت ليغزو نوميديا و يقضي على يوغرطة .

 

و التقى الجيشان في معركة زاما ودمرت جيوش نوميديا لكن القائد يوغرطة استطاع أن ينجو بحياته ،ولكنه لم يستسلم فخيّر أن يواصل القتال بطريقة الكر و الفر في مناطق مختلفة، وتعرف بحرب العصابات وهى حرب استنزاف تتفق مع الطبيعة الجبلية للمنطقة فلم يعد هناك مناص من اسره او قتله لانهاء هذه الحرب .

 

 

 

كان وقع هذا الاسم (ميتاليوس) شديدا على نفسي ،فأردت أن أكتشف المزيد عنه و هنا برزت لي معطيات مضيئة متمثلة في عراقة هذا الاسم لدى الرومان، إنه لعائلة ثرية معروفة تتمتع بنفوذ وسطوة كبيرين ، لعبت هذه العائلة ادوارا متعددة في تاريخ روما بفظل قناصل ينتمون اليها تمكنت روما أن تجوب البحر المتوسط شرقا و غربا ففتحت البلدان و اسّست المدن .

 

و من المصادفة السعيدة أن وجدت ابنة لهذا القائد تسمى (كورنيليا ميتالي) وهو ما جعلنى أتذكر اسم مدينة رومانية تدعى "كاسترا كورنيليا " تعرف اليوم بقلعة الاندلس قرب أوتيك تغيّر اسمها مع قدوم الجالية الموريسكية.

 

توالت الاكتشافات فقادنى البحث لمعرفة أن احد القياصرة من هذه العائلة يسمّى "ميتاليوس شيبيو" وأيضا "كوينتوس كاسيليوس ميتالوس نوميديكوس"وغيره من الاسماء التي خلدتها روما في عملتها .

 

 

و قد ذكر الكاتب (بول جيزون)قصة ميتالوس شيبيو في حرب (تابسوس في افريل عام 46 ق.م)

كان ميتالوس شيبيون خلال الاربعة اشهر الاخيرة من سنة 52 ق.م قنصلا مع متبناه بومبي حيث قاما مع بعض باعادة وظيفة الرقابة على سير الحكومة التي ألغيت من طرف "ب.قلوديوس" وعارضا بشراسة طموحات جوليوس سيزار (قيصر) لنيل القيادة 5 سنين متوالية في بلاد الغال و كانا مناصرين لفكرة التقشف التى اعلنها شيشيرون وخفض الانفاق لمواجهة عجز الحكومة المالي.

ثم وقع ارساله الى سوريا ليكون واليا هناك ولكن مع اندلاع الخلاف المسلح في روما بين المناصرين لسيزار والمخالفين له اختار الجانب المخالف وتوجه الى افريقيا الشمالية عند الملك النوميدي جوبا ليثأر لاغتيال ابنه بالتبني بومبي و لحق به القائد كاتو الاوتيكي و جنوده لمساندته ، و لكن ميتالوس النوميدي و كاتو الاوتيكي منيا بهزيمة ساحقة في معركة تابسوس في 6 أفريل عام46 ق.م.

(اطلال المدينة لا تزال واضحة في رأس الديماس بالقرب من البقالطة، على ما يقرب من 200 كم إلى الجنوب الشرقي من قرطاج وهي تشمل ما تبقى من الميناء والحصن والمسرح وتقع في ولاية المنستير). )

و تذكر الروايات أنه لما هزم مع قوات جوبا النوميدي حاول الفرار الى اسبانيا مع مجموعة من السفن و لكن الريح المعاكسة القت به عند الاعداء في هيبو ريجيوس (عنابة) أو في كورنيلي فاختار الانتحار وكذلك فعل كاتو في أوتيك .

النتيجة

هذه الاحداث البارزة تجعل امكانية انشاء قلعة أو حصن روماني بمسمى "ميتالي" أمرا واردا بل قريبا جدا من الواقع بين فترتي 109 ق .م و 46 ق.م فبعد تدمير قرطاج و احراقها سنة 146 ق .م عادت أوتيك لتلعب دور المدينة العاصمة وتحولت المدن المجاورة لها و خاصة البحرية الى موانىء عسكرية للجيوش الرومانية و من بينها تينيسا فكان من الطبيعي أن تقوم حاميات رومانية بالتواجد فيها للمراقبة البحرية و أيضا لاستطلاع ما يدور من النوميديين 

الاثار الرومانية

و هذا ما يفسر الاثار الموجودة في عمق الماتلين قريبا من سدّ الڤرية و بعض الانحاء الاخرى على التلال التي عاينتها شخصيا .

و ڤرية ( Garia )باللغة الرومانية تعني المحطة و موقعها يشهد بأنها محطة للرومان و كانهم استخدموها مكانا للاستراحة أو محطة من خلال تنقلهم في انحاء نوميديا (افريقا) بين مواقعهم في ماتلين و هيبودياريتوس (بنزرت) و أوزاليس (العالية).

حي الدوامس

أما الدليل الذي لم ينتبه اليه الكثير فهو وجود حي بالمدينة يعرف بالدوامس و الاعتقاد الغالب لدى السكان و انا من بينهم ان التسمية ترتبط بمساكن السكان القدامى من الامازيغ لكن البحث في العمارة الرومانية يقدّم لنا استنتاجا اكثر واقعية لأن داموس هو تقريبا نفس اللفظ الروماني دومس( دوموس domus ) و يعني منزل روماني و( دوم dome)التى تعني قبة ..

ودوموس مصطلح قديم جدا، مشتقمن (DOM-*) وهو ما يعني عائلة من جيلين،ودوموس هو منزل العائلة الروماني، و يدعى رب الأسرة فيه(dominusدومينوس).
و يعرف شكله القديم من خلال الحفريات للمدن الرومانية القديمة التي كانت على شكل كوخ بسيط من غرفة واحدة دائرية و تسمي( الكوخ الجرة urne-cabane) لانحنائه كالجرار الفخارية و قدعثر عليه في احدى الحفريات التي تعود الى القرن الثامن ق.م

ثم شهد هذا البناء تطورات كبيرة في نهاية فترة الحكم الملكي الروماني ولادة دوموس فأصبح ذو هيكل مربع، وغرف عدة. ولكن المنزل بقيريفيا بسيطا مع حديقة نباتية داخلية و كل النوافذ مفتوحة للداخل و ليس على الشارع وهو ما يذكرنا بالبيوت العربية التى عرفناها و تسكنه عائلة واحدة مستقلة .

ولكن فيما بعد اتخذ هذا المنزل شكلا امبراطوريا فخما خاصة مع (نيرون) الذي حوله الى قصر اسماه (دوموس أورياDomus aurea.)

كما عرفت الحضارة الرومانية بناءات أخرى فخمة بقبابها العالية وهو ما شجع العرب فيما بعد و أوحى اليهم باتخاذ عمارة مشابهة .

 

فهل يكون حي الدوامس هو حي الرومان الذي سكنوه ؟

 

الاكيد أن عدم وجود دواميس منحوتة في تلال حي الدوامس يجعلنا نقبل مثل هذه الاطروحة .

 

 

 

 

 

منطقة بني عطا

 

ولعل معطى مدهشا آخر سيبين لكم جذور المنطقة الروماني فمنطقة بنى عطا لها نفس الجذور من خلال تسميتها التى يمكن أن تعود الى عطية بالبا كايسونيا (Atia Balba Caesonia) (85-43 av. J.-C.) المسماة ايضا عطية بالبا الثانية و هي ابنة ماركوس عطيوس بالبوس ( (Marcus Atius Balbus (105 - 51 av. J.-C) زوج أخت جوليوس قيصر(الامبراطور الروماني) و هي أم أوكتاف .

 

و بتحريف بسيط أحيانا ستجدون أن اسم بني عطا هو تخليد لهذه المرأة الرومانية و اقتصر دور العرب أو لنقل المتكلمين بالعربية أن حولوا بالبا الى بني و آتيا الى عطا .

 

اللهجة المتالية للمتالي

 

كما هنالك قناعة خاصّة تنطلق من التسمية التي يطلقها السكان على انفسهم بقولهم نحن متّالة و وصف الجميع لساكن المنطقة بالمتالي و لو كانت التسمية قادمة مع الجيش الانكشاري أو مع الموريسكيين لاتخذت نطقا آخر "ميدللي"حسب النطق التركي أو "ميتليني" حسب النطق اليوناني و لكن جميع المدن التي تأسست بهذا الاسم في اليونان و في اسبانيا و في تونس تحمل وجها لعملة واحدة و هي تخليد اسرة رومانية عريقة كان لها قادة و قناصل منذ تاريخ روما القديم الذي بدأ في الشرق ليمتد الى الغرب نحو انحاء مترامية من اوروبا و افريقيا

 

إن قدوم الجالية الموريسكية و قدماء الجيش الانكشاري الى المنطقة أعاد للماتلين اسمها الروماني و جعل منها مدينة مأهولة أكثر من الفترة الرومانية على انقاض مدينة تينيسا البحرية و قلعة ميتالي التلية و حتى بعض الاسماء كالصقالة و جبل التوشلة قد يكون لها جذور رومانية إذا تعمقنا في دراستها .

 

 

 

اسماء المدن المعروفة بماتلين في العالم

 

 

 

لقد تمكنت من حصر 4 مدن في العالم تملك هذا الاسم و الخامس هو لماتلين التونسية ، غير ان مدينة من بينها ( على الاقل) تسمت بنفس الطريقة أو الاطروحة التي تبناها الباحث الدكتور عز الدين قلوز وهي قدوم بحارة أو عناصر جديدة لبلاد أخرى فطاب لهم تسميتها على اسم المكان الذي قدموا منه و المدينة موجودة في كولومبيا .

 

ماتلين الكولومبية

ماتلين الاسبانية

هي المدينة التي قدم منها مؤسسوا ماتلين الكولومبية و تعرف بقلعتها (قلعة ميدلين).

تاريخ تأسيسها يعود الى العصور الرومانية على يد القائد كوينتوس كاسيليوس ميتالوس بيوس (Quintus Cæcilius Metellus Pius)ابن القائد ميتالوس نوميديكوس(Quintus Cæcilius Metellus Numidicus ) أو ميتالوس النوميدي الذي تحدثنا عنه من خلال حربه مع يوغرطة .

 و ذلك في سنة 80 ق.م.

 

ماتلين الالمانية

بالنسبة لهذه المدينة لا أملك معطيات تاريخية محددة عنها و لكن يبدو أنها كانت موجودة منذ القرن التاسع م و تطورت منذ القرن 13 و 15 م.

ماتلين اليونانية

هذه المدينة الرابعة التي قد تكون اعطت اسم ماتلين التونسية عرفت عند الاتراك (ميدللي) و عند اليونان ميتيليني هي أقدم المدن المعروفة بهذا الاسم .

 

و بينهما عديد النقاط المشتركة كالميناء و الطبيعة الجبلية و امتداد البحر و ميتيليني: (باليونانية: Μυτιλήνη)، (بالإنجليزية:Mytilene)، (بالتركية: Midilli)، مدينة يونانية تقع في شرق البلاد وهي عاصمة منطقة شمال إيجة الإدارية، وتقع على الساحل الجنوبي لجزيرة ليسبوس و تبعد عن الساحل التركي 17 كم .

عرفت عديد التقلبات و الانتماءات التاريخية ، و استقر بها الرومان حوالي سنة 167 ق.م ثم وقع تدمير المدينة عام 88 ق.م انتقاما لتحالفها مع اعداء روما ثم اصبحت تابعة للدولة البيزنطية و في سنة1462م سيطر عليها الاتراك و جعلوها قاعدة لاسطولهم البحري و منها يقع جلب افراد الجيش الانكشاري و ايضا بعض القادة البحريين مثل الاخوة بربروسة بوعروج و خير الدين …

 

من المشاهير الذين ولدوا في هذه المدينة بيتاكوس ميتيليني سياسي وحكيم إغريقي ويعتبر أحد حكماء الإغريق السبعة وولد ميتيليني وعاش بين عامي 650 – 570 قبل الميلاد .

 

أن النتيجة التي يمكن أن نخرج بها لا يمكن أن تكون موثوقة بنسبة عالية و إن كنت ارجح أن تسمية الماتلين هي سابقة لقدوم قدماء الجيش الانكشاري لاعتبارات منها أن هؤلاء الجيش قد عمروا و بنوا حصونا معروفة في جربة و الجزائر بل و اصبحوا أمراء في مراحلهم الاولى فلم يقوموا بتسمية أي مكان فيها بهذا الاسم أو اي اسم آخر يعبر عن المناطق التي قدموا منها .

و الموريسكيين الفارين من القمع في الاندلس لم نجد من بينهم من يدعى ان جذوره تعود لقلعة الماتلين .

ولكن وجود قلعة رومانية مشرفة على البحر قد الهمتهم تسمية المكان بالماتلين بعد أن كانت تعرف بتينيسا أو تونيسا التي اصبحت اسما لعاصمة البلاد التونسية بل و اسما لكل البلاد .

فجميع الخرائط القديمة تبين بكل وضوح أنه لم تقم أي مدينة بهذا الاسم بتلك الشهرة في هذه الانحاء .

 الكاتب

 

حاتم بن الهادي بن المكي بن علي سعيد في 10 جويلية 2012

 








Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.