اطلالة على التاريخ

آثار تونس

آثار تونس

للأستاذ مصطفى زبيس

مدير مصلحة المعالم الأثرية في الجهورية التونسية

 

كانت السفن الفينيقية تجوب البحر الأبيض بين الشرق والغرب من مدينة صور والمدن الفينيقية المجاورة لها إلى المضيق بين تونس وصقلية، وقد كانوا ينزلون للاستراحة والاتجار في المنازل العديدة التي أنشئوها على شواطئ البلاد التي كانت في طريقهم، وأخذت هذه المنازل تنمو بطول الزمن حتى صارت دويلات لها بعض الشأن مثل عتيقة وسوسة وقرطاجنة.

وقد كتب لهذه الاخيرة أن تبلغ من الأهمية وسعة السلطان ما جعلها تسيطر على المراكز الأخرى وتفرض عليها نفوذها وتحول نهائيا بينها وبين أم وطنها الأولى فينيقيا.

ومن ذلك العهد استقل فينيقيو المهجر أو فينيقيو المغرب تحت لواء قرطاجنة وكان ذلك إثر جملة (نبوخذ نصر) المظفرة على المدائن الفينيقية وإخضاعها إلى سيطرته في القرن السادس ق.م.

ومن ذلك الوقت استهل العالم القرطاجني عهدا جديدا أسماه المؤرخون بالعهد البونيقي.

ثم أخذت قرطاجنة تنتشر نحو الغرب إلى أن عبرت سفنها مضيق جبل طارق وراحت سائرة في المحيط الأطلسي إلى (انقلترا) تحت قيادة (عملقون) وإلى (الكمرون) تحت قيادة (حنون) فغنمت قرطاجنة على أيديهما ذخيرة لا تنفذ من الذهب والفضة ساعدتها على توطيد سيادتها في العالم الشاسع الذي مسكت زمامه.

وقد توسعت في التراث التونسي خارج منطقتها الأولى توسعا عميقا متوغلة إلى ما وراء الساحل جنوبا وإلى ما وراء الكاف غربا وذلك ليس فقط لاستغلال الأرض بل وأيضا لتجعل من ذلك حرما يقيها عند الحاجة من الغارات المفاجئة.

وقد بلغت قرطاجنة من سعة السلطان في أواسط القرن السادس ق.م شأوا لم تفته بعد ذلك. وقد كانت مظاهر عظمتها سببا في إثارة منافسة قوية وإيجاد نفرة شديدة بين اليونان وبينها- واحتدم الأمر بينهما حتى حملوا عليها حملة عنيفة في صقلية تصدعت من أجلها أركان الهيكل القرطاجني الرهيب وكان ذلك سنة 480 ق.م.

واستمر الكفاح بين الطرفين في صقلية بدون أن يسفر عن نتيجة حاسمة إلى أن اصطدمت قرطاجنة في القرن الثالث بقوة جديدة هي قوة روما الفتية العاتية ذلك الاصطدام الطويل المعروف بالحروب البونيقية الثلاث التي دامت من سنة 262ق.م إلى سنة 147 ق.م والتي نتج عنها القضاء على النظام القرطاجني وتخريب قرطاجنة.

وقد ظلمها الرومان بعد الظفر بها إذ عمل مؤرخوها على تشويه سمعتها وتصويرها في صورة مقيتة، ثم ظلمتها ثانية بعض المدارس التاريخية التي عكفت منذ قرن على درس آثارها الوطنية درسا يعمل بداية ونهاية على إحياء التراث الروماني، فقررت مبدئيا أن كل ما يعثر عليه في المواقع القرطاجنية إنما هو روماني وذلك بناء على قرار تقرر بموجبه أن البونيقيين لم تكن لهم حضارة وأنهم كانوا عالة على الحضارات الأخرى.

ولنترك الجدال في هذا الموضوع ولنشر إلى أن هناك تنقيبات حديثة ودراسات جديدة قد جاءت لرفع ظلامة شديدة الوطأة على قرطاجنة ولإحياء تراثها.

فقد عثر في ضاحية لقرطاجنة اسمها اليوم (صلامبو) على معبد بونيقي قد يرجع إلى عهد تأسيس قرطاجنة أي إلى بداية القرن التاسع ق.م ولعله هو الموقع الذي انتحرت فيه (عليسة) مؤسسة قرطاجنة وذلك نفورا منها من التزوج بالملك البربري المشار إليه في قصة مأساة هذه الأميرة التعسة.

وبالقرب من هذا المعبد توجد اليوم آثار للمرسى القرطاجنى القديم ويلوح في صورة، بركة مستطيلة للسفن التجارية، تتبعها بركة مستديرة للسفن الحربية وهي صورة تطابق الأوصاف التي جاءت في تواريخ القدماء مثل تيمى (Timée) وجوستان (Justin) وفرجيل (Virgile).

وقد عثر أيضا حديثا بواسطة الصور الجوية على الخط الخارجيللاستحكامات المجعولة لتحصين قرطاجنة ويشتمل على حفير قد رفعت حافته الداخلية بالتراب المخرج منه وجهزت الأجهزة الخشبية- هذا هو الخط الخارجي الأول ويوجد وراءه سور أول من الحجارة وراءه سور آخر أكثر ارتفاعا من الحجارة أيضا، ومثل هذا الترتيب قد اتبعه الرومان في إقامة خط الدفاع الذي أقاموه على تخوم الصحراء في الجزائر وأسموه "ليماس" « limes » كما اتبعه الموحدون في مراكش في القرن السادس (الثاني عشر م) لبناء أسوار مدنهم وقلاعهم وقصباتهم.

وإن معظم الآثار البونيقية التي عثر عليها إلى هذا اليوم تشتمل على المقبريات كالشواهد التي وضعت على القبور وما وضع في هذه القبور من أدوات وأوان.

أما الشواهد فقد رسم عليها بالحفر أو البحت صور للأشخاص والآلهة والحيوان والطيور والنبات ورموز وزخارف هندسية أخرى لها مدلولها ومغزاها.

كما مثلت فيها بعض المشاهد للطقوس الدينية مصحوبة عادة بأمثلة للفن المعماري البونيقي التي اضمحلت معالمه ولم يصلنا منها شيء.

وأما الأواني الحزفية فهي لا تحصى أشكالها وحجومها وأنواع زخارفها وتشتمل الأدوات الأخرى على الخواتم والفصوص من الحجارة الكريمة المنقوش عليها أنواع الرموز والزخارف والصور، وتشتمل أيضا على القناديل والأقنعة والتماثيل الصغيرة المصنوعة جميعا من الفخار وقل منها ما لا يحمل زخرفة أو أثرا ما لعمل فني مقرون غالبا بصورة أو رسم يشير إلى الإلاه (بعل عمون) وإلى الإلهة (تانيت).

وقد أخذت قرطاجنة الكثير من فنونها وروحانياتها عن فينيقيا وعن مصر القديمة وعن اليونان وعن الأتروسك ولكنها جعلت من جملة تلك العناصر المختلفة المتناثرة وحدة لها شخصيتها وطرافتها.

وعلى كل فإن الحضارة البونيقية قد خلفت أثر عميقا وانطباعا قويا في نفوس البربر الذين كانوا يعيشون في كنفها فلما أفل ظلها قويت شوكة ملوكهم ووقفوا في وجه روما محاولين الذود عن استقلال بلادهم وتوحيد كلمتهم تحت الراية الوطنية.

وقامت هذه الحركة على كاهل الملك ماسينيسا وخلفائه ودامت ما يقرب من قرن ونصف انطلقت خلالها الشخصية البربرية – وقد وصلتنا من ذلك العصر آثار ليست بالهينة أشهرها قبر كليب الهيكلي في جبل مسوج قرب بلدة السرس، والضريح الملكي الموجود في مدينة دقة الأثرية.

وقد تبرمت روما من سلطان ملوك البربر المتزايد فحاولت الفت في استفحاله حتى جر بها ذلك إلى حرب ضروس طاحنة عرفت بحرب جوغورطا التي أسفرت على هزيمة الملك جوغورطا وقتله.

وهكذا صفا الجو لروما ولكنها احتاطت على ألا يعود إلى الميدان مثل جوغورطا فيضايقها، فقسمت مملكته بين طائفة من الرؤساء وكسبت بذلك راحة بال وطمأنينة، إلى أن حمل قيصر حملته الشهرة الموفقة على البلاد التونسية سنة 46 وجعل منها مقاطعة رومانية إفريقية أسموها "أفريكا" (Africa) – وهي تسمية مازالت مستعملة عندنا إلى اليوم بالنسبة إلى الشمال الغربي التونسي وهي أيضا التسمية التي وجدها العرب شائعة عند الناس أيام فتحهم للبلاد فجرت على ألسنتهم وفي كتبهم بصيغة (إفريقية).

وقد دام النفوذ الروماني في هذه الربوع خمسة قرون تقريبا من أواسط القرن الثاني ق.م إلى سنة 440 م فازدهرت أثناءها معالم الحضارة بصورة تدعو إلى  الإعجاب وكان السر في ذلك استتباب الأمن مدة طويلة حتى انقطع الناس إلى العمل المثمر المتواصل ولم يكن هذا الأمن نتيجة لنظام عسكري أو نظام بوليسي أقرهما الحكم الروماني ليضمن لنفسه الدوام فجعلهما يعتمدان على جيش وشرطة وفيرة العدد، بل أن الحاميات الرومانية المنتشرة في الآفاق لم يكن عدد الواحدة منها يفوت بعض المئات بدليل أن كوكبة الجند المجعولة لحماية قرطاجنة لم يفت عددها ستمائة جندي يضاف إليها فصيلة من الشرطة المدنية. وعلى كل فإن عدد الحاميات جميعا لم يفت 35000 رجل.

لقد كانت البلديات الوطنية هي التي تسهر على الأمن والنظام بوسائلها الخاصة، معنى هذا كله أن العهد الروماني في البلاد التونسية لم يكن بصفة عامة عهد استعمار واستغلال وكبت وتعسف، بل كان عهدا انطلقت فيه الشخصية التونسية فساس التونسيون شؤونهم بنفسهم تحت رعاية حاكم أجنبي اختار عن السيطرة الغاشمة سياسة التعامل على أساس الاحترام المتبادل.

ولهذا العوامل آثارها البينة في الحضارة الرومانية التونسية فهي حضارة رومانية باعتبار العهد الذي ظهرت فيه وباعتبار ضرورة مجاراة مظاهر العصر كتقليد روما في معمارياتها وتخطيط مدنها وغير ذلك من الأمور ذات الصبغة الرسمية، ولكن هذه الحضارة تبدو تونسية صميمة خصوصا عندما ننظر إليها من خلال الإنتاج المتصل بجوهر الحياة اليومية والمتعلق بنشاط المرء في المنزل والضيعة والمعبد وإزاء أضرحة الآباء والأجداد.

ومن حسن حظ هذه البلاد أنها تكسب عددا لا يحصى من مفروشات الفسيفساء قد صورت لنا المجتمع التونسي في العصر الروماني في مختلف مظاهر نشاطه كما صورت لنا مشاهد كثيرة من الميثولوجيا الإفريقية، وهي مزيج من الميثولوجيا البونيقية واليونانية والرومانية.

وعلى كل فإن هذه الثروة الفنية الخارقة تنم على ثروة مادية واسعة وهي التي ساعدت على انتشار هذا العدد الضخم من المدن الرومانية المندرسة التي نشاهد أطلالها في مختلف أنحاء قطرنا، وفي هذه الثروة المادية سر نموها وازدهارها- وهناك مدن كثيرة على السواحل – منها طينة قرب صفاقس وطبارورا (صفاقس) وقمى (المهدية) وتابسوس الصغرى (لمطة) وروسبينا (المنستير) وهيبودياريتوس (بنزرت).

و في الوسط التونسي آثار لمدن عظيمة منها تلابت (فريانة) وسيلوم (القصرين) وسبيطلة التي اشتهرت شهرة فائقة في صدر الفتح العربي.

وفي الشمال والشمال الغربي من البلاد التونسية مدن أخرى لا تقل عظمة عن السابقة ومنها أمايدرا (حيدرة) وسيكا فينيريا (الكاف اليوم) وقد جاءت في كتب التاريخ والجغرافيا العربية بصبغة "شق بناريا" ونضيف إلى ما سبق من المدن ألتيبوروس (المدينة) وكثر ودقة وبولاريجيا وتوبوربو ماجوس وفي هذه المدن يشاهد الزائر الحمامات الفاخرة وأكثرها أناقة حمام الأنطونيين في قرطاجنة وأكثرها صحة وسلامة حمام طينة – ويشاهد الزائر أيضا المعابد الجليلة، وأجمل مجموعة منها هي المعابد الثلاثة المتوازية القائمة في موقع حبيطلة – وهناك أيضا المسارح على أنواعها وأشهرها مسرح دقة ومسرح قرطاجنة وأما الملاعب فأشهرها وأكثرها بهجة ملعب الجم المشهور بقصر الجم أو بحصن الجم وقد تحصنت فيه الكاهنة أيام حملة حسان ابن النعمان في الرابع الأخير من القرن الأول- وهو أكبر الملاعب الموجودة في القارة الإفريقية.

وفي المواقع الأثرية التونسية في العهد الروماني أبواب ضخمة وأقواس نصر كثيرة مازالت تتمتع بحالة جيدة ومنها قوس طراجان في مكثر وقوس سبتيموس سيفيروس في سبيطلة.

وأما التحف الرومانية المنقولة من تماثيل وقناديل وأوان وآلات ومصوغ فإن مادتها الفنية والعلمية غزيرة إلى أبعد حد، وهي ميدان للدرس لا حد له وأن هذا النوع من الآثار لهو الذي يصور لنا الحضارة الوطنية الحقة، بينما لا نجد في المعالم المعمارية الرسمية إلا مظهرا من التقليد عن روما ومن النسج على منوال معالمها.

وقد دام هذا التوازن إلى أن اخذت علائم الانحلال تظهر في هيكل الإمبراطورية الرومانية، وذلك من جراء التكالب على السلطان فمنذ نهاية القرن الثاني م أخذ الجند يساند هذا الحزب وذلك الشق وطفق يعمل على إرقاء هذا فوق عرض الحكم وإقصاء ذاك الآخر عنه، بجميع الطرق وبمختلف الوسائل ولو أدى ذلك إلى الاغتيال وسفك الدماء، وقد زاد الجو تعكرا وتعفنا أزمات شديدة: اقتصادية ودينية تسبب فيها انتشار الدين المسيحي واضطهاد معتنقيه، وأزمات سياسية بموجب ثورات البربر المتوالية والرامية إلى التحرر من الحكم الروماني.

وهكذا سارت حالة الإمبراطورية من سيء إلى أسوأ حتى إذا ما جاز الوندال مضيق جبل طارق وولج التراب الإفريقي لم يجدوا من يقف موقف الجد في وجههم فواصلوا سيرهم إلى قرطاجنة وفتحوها بدون عناء سنة 439 م.

والوندال كما هو معلوم أقوام جرمانيون من الرحل قد اكتسحوا فرنسا وإسبانيا، وعبروا إلى العدوة الإفريقية فأذعنوها إلى سلطانهم، فكان تغلبهم على المدن الإفريقية تغلب البداوة والعنف والعجرفة على التحضر والرقة واللطف، فكان ملكهم من جراء ذلك ينذر بالزوال منذ البداية فلم يكن للوندال العدد الكافي من الرجال لإقامة دولة منتظمة والسهر على كيانها بالانتشار في كل مكان ولم يكن لهم حضارة يستميلون بها ألباب الأفارقة، فلم يبق لهم من المؤهلات للسيطرة إلا القوة والشدة بينما كانت الوسيلة الوحيدة هي تشريك الرعايا في الأمر وسلوك سياسة التعاون معهم.

ومن أجل هذا الوضع المختل كانت مدة الوندال من سنة 439 إلى سنة 534 م. مدة عقيمة من حيث الانتاج الفني، وإننا لنعثر بين الفنية والأخرى على قطع من النقود الوندالية ولكنها لا تختلف عن النقود الرومانية من حيث طريقة صنعها، وتصور لنا هذه النقود الملوك في لباسهم الرسمي أحيانا، وتصور لنا أحيانا أخرى امرأة تحمل سنبلة إشارة إلى خصب البلاد ورفاهيتها إذ تقرأ العبارة التالية تحت الصورة "قرطاجنة السعيدة".

وعاش الوندال في مدتهم الأولى حياة الخوشنة والسذاجة التي دأبوا عليها منذ أجيال في حظيرة المعسكرات المتجولة، حتى طالت بهم الإقامة في المدن التونسية وتذوقوا حياة الترف والدعة والمتعة، فكان ذلك من الأسباب التي أسرعت بدولهم إلى الانهيار فاغتنم بربر الصحراء الفرصة للزحف إليهم وتضييق الخناق عليهم شيئا فشيئا، حتى لم يجدوا من شدة بأسهم السابق الطاقة التي تدفع بهم إلى رد هذا الخطر الداهم.

وبينما كانوا في هذا الصراع أقبلت عليهم جيوش بليزار البيزنطية فقضت عليهم قضاء مبرما وشتتت جموعهم وأبادتهم عن آخرهم.

ولنا من آثارهم تحف طفيفة العدد تشتمل على نقود وقناديل ومصوغ وأما المعماريات فإنها تشتمل على طائفة من الكنائس كانت تقام فيها طقوس الديانة الآرية وعلى طائفة من المشاهد المقبرية.

وبزوال الحكم الوندالي دخلت البلاد التونسية تحت سيطرة بيزنطة فأعادت هذه النظام الإداري الذي أقامه الرومان من قبل، وجعلت عليها واليا مدنيا ثم أبدل بعد مدة بحاكم عسكري، إلا أن هذا النظام الذي أطلق أيدى الحكام ورجال الإدارة أثقل كاهل الناس بالضرائب والمظالم، حتى صاروا خصوما ألداء يتحينون جميع الفرص للتمرد والتخلص من الكابوس البيزنطي بأية وسيلة – وفي هذه النفسية المفعمة بالمقت البالغ سر سهولة الفتح العربي فإن الأمة الإفريقية لم تحرك ساكنا لمساندة أولى الأمر من البيزنطيين في هذه الربوع عندما بانت طلائع الجيش العربي الزاحف، وتركت هؤلاء يحطمون بأسرع من البرق قواعد الحكم البيزنطي فانهار هذا بين عشية وضحاها بالصورة المعلومة.

على أن هذا العصر الذي دام من سنة 534 م إلى سنة 648م. قد كان حافلا بالنشاط العمراني والمعماري والفني، فهناك عدد كبير في مواقعنا الأثرية من القلاع والأسوار التي تبنى على مهارة فائقة في إقامة الاستحكامات الحربية، وكثيرا ما أقيمت هذه القلاع والأسوار بغاية السرعة فاقتصرت على ترصيف الحجارة الضخمة بدون مراعاة التنسيق بين الهجوم والأشكال والتقطيع، وما تحمله أحيانا هذه الحجارة من كتابة أو زخرفة أو لون من ألوان الصناعة، وكثيرا ما جلبت هذه الحجارة من المعالم الرومانية المجاورة، وكثيرا ما استعملت المعالم القديمة نفسها حصونا بعد تعديلات خفيفة وسد الأبواب والنوافذ وتعلية الجدران الخارجية.

ومن الآثار البيزنطية في البلاد التونسية تلك الكنائس الزاخرة بأنواع المفروشات الفسيفسائية، ورؤوس السواري البديعة الزخرف مع جدران مكسوة بألواح قد رسمت عليها أنواع المشاهد المستوحاة مواضيعها من الكتب المقدسة – ولدينا كثير من الأبسطة الفسيفسائية التي كانت تكسو القبريات وهي محلاة بأنواع الزخرف والنصوص الطريفة نثرا ونظما.

وبزوال الحكم البيزنطي استهلت البلاد التونسية عهدا جديدا، تقرر لها فيه مصير واتجاه حضاري جعلاها حلقة من سلسلة لم تنفصم عراها، ودرة من الدرر التي تألف منها عقد نفيس ألا وهما سلسلة العروبة وعقد الحضارة العربية المتآلف في سماء الثقافة العالمية.

وإن للبلاد التونسية اليوم ثروة غزيزة من الآثار العربية تلوح لنا مظاهر عدة نحاول في بقية هذه الكلمة الإلماع إليها سريعا.

لقد توالت على البلاد التونسية التي أسماها المؤرخون العرب (إفريقية) – كما سبقت الإشارة إلى ذلك – توالت على البلاد التونسية غزوات عربية عدة قبل أن تستقر قدم الحكم العربي إلى أن كانت أشهرها وهي الغزوة الحاسمة التي قادها عقبة بن نافع سنة 50 هـ والتي أسفرت على بناء القيروان وجامعها وذلك سنة 57 هـ ثم واصل العرب فتوحاتهم نحو الشمال إلى أن ظفروا بآخر قوة مقاومة تجمعت في قرطاجنة وتم ذلك على يد القائد حسان بن النعمان الذي هدم المدينة ونقل أهلها إلى تونس وكانت قريبة متواضعة فأصبحت عاصمة عربية ثانية بعد القيروان وبني بها جامع الزيتونية.

ودام حكم الولاة الأمويين والعباسيين على افريقية إلى الربع الأخير من القرن الثاني هـ فبنوا جوامع ووسعوا في أخرى ولكنها اضمحلت كلها ولم يصلنا منها إلا ذكرها – وأما البناءات الأخرى الحربية منها والمدنية فكأن الولاة، لم يعنوا بإنشائها، واكتفوا باستعمال العمارت الموجودة قبلهم إلا قصر الإمارة في القيروان لخلو موقع المدينة من بناءات سابقة وكذلك رباط المنستير الذي أسسه قائد الرشيد العباسى هرثمة بن أعين سنة 181 هـ.

وعلى كل فإن الإسلامي التونسي لم تظهر له معالم تمتاز عن غيرها بمميزاتها الخاصة إلا في أيام ملوك الأغالبة التابعين للدولة العباسية وقد ساسوا البلاد بحكمة طيلة القرن الثالث هـ،  وأسسوا فيها المباني الفاخرة الزاخرة بأنواع الفنون كجامع القيروان وجامع الزيتونة بتونس، على المظهر الذي يلوحان عليه اليوم، وأسسوا على كامل السواحل سلسلة من الرباطات لرد غائلة الروم المغيرين عليها، وأحكموا بنيانها حتى انقلبت سريعا من معاقل دفاعية إلى قلاع منطلق منها الغزاة نحو العدوة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط – حيث فتحوا مناطق عدة منها- وامتلكوا جزيرة صقلية وبذلك صار البحر بحرا عربيا تونسيا، ودامت لهم السيادة فيه دهرا طويلا، وقد توفر لدى الأمراء الأغالبة بموجب ذلك ثروة عريضة ساعدتهم على تجهيز البلاد بالمرافق النافعة الترف كتشييد القصور والمدن الأميرية مثل القصر القديم الذي آل إلى مدينة سميت بالعباسية- ومثل مدينة رقادة التي صارت عاصمة الدولة في النصف الثاني من القرن الثالث هـ.

ويعتبر فن الأغالبة بتونس كمظهر من مظاهر الفن العباسي خارج العراق. وفي مدينة رقادة نزل عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية قبل أن يبنى مدينة المهدية التي عرفت به – وقد بناها على الساحل ليعتصم بها إذا ما أحوجته الضرورة إلى ذلك – إذ كانت بوادر الثورة تلوح وخطرها يخيم. ثم اندلعت هذه الثورة – وقام أبو يزيد في وجه الدولة فاحتل كامل البلاد حتى لم يبق للفواطم إلا المهدية كاد أبو يزيد أن يفوز عليهم فلم يوفق فظفروا به وقتلوه – ولم يبق لهم منازع فعادوا إلى القيروان وأسسوا بإزائها مدينهم المعروفة بصبرة المنصورية وذلك سنة 337 هـ، وجعلوا منها قاعدة الخلافة – وقد تخربت هذه المدينة ولكن التحف الفنية التي توجد في أطلالها تدل على درجة رفيعة من الازدهار،وأما المهدية فقد بقى فيها إلى اليوم مدخلها القديم المسمى بالسقيفة الكحلاء أو باب زويلة، والجامع وأطلال قصر المهدي وقصر ولي عهده القائم بأمر الله- كما يوجد المرسى القديم. ولهذه الآثار قيمة عظيمة لأنها تمثل الطور الأول من فن الفواطم والحقبة التي بقيت غامضة من تاريخ حضارتهم.

ولما انتقل الفواطم إلى القاهرة سنة 362 هـ تركوا ولاة من قبلهم على البلاد التونسية، وهم بنو زيري من قبائل صنهاجة البربرية، وقد ازدهر الفن في عهدهم ازدهارا خارقا كما تشهد بذلك مجموعة النقوش المكتوبة والمزخرفة التي نراها في مقبرة الجناح الأخضر بالقيروان، وكذلك مقصورة الإمام بجامع القيروان وسقوف هذا الجامع وجميعها من الخشب البديع النقش والزخرفة.

وترجع أيضا على عهدهم طائفة من الطرف البلورية والخزفية والمعدنية، نذكر منها المشكاة النحاسية المخرمة التي صنعت برسم ألمع ملوك صنهاجة وهو (المعز بن باديس).

على أن ازدهار هذه الدولة لم يدم طويلا إذ قضت عليه الزحفة الهلالية التي اكتست البلاد التونسية أواسط القرن الخامس هـ ، فانقسمت البلاد إلى دويلات استبد أصحابها بالمدن الساحلية فكان عصر اضطراب وفوضى دام إلى أن نشر الخليفة عبد المؤمن ابن على نفوذ الدولة الموحدية على كامل المغرب العربي وذلك سنة 555هـ.

ولكن الموحدين لم يخلفوا من آثارهم في البلاد التونسية شيئا يذكر- على أن الفن التونسي قد عاد إلى الازدهار منذ الثلث الأول من القرن السابع عندما استبد بالأمر أبو زكرياء الحفصي احد ولاة الموحدين على تونس، فأسس الدولة الحفصية التي دامت إلى النصف الأول من القرن العاشر هـ.

وعلى عهد هذه الدولة ظهرت معالم تشترك في الأسلوب بين الفن التونسي العريق وبين الفن المغربي الإسباني، ومن آيات هذا الفن الباقية: جامع القصبة وجامع التوفيق بتونس، وقصر العبدلية بضاحيتها المعروفة  بالمرسى، ورباط سيدي قاسم الزليجي، ويعتمد هذا الضرب الجديد من الفن على كسو الجدران بالزليج والجبس المنقوش وبتغطية القباب بالقراميد المطيلة وبتشكيل هذه الأغطية بالشكل الهرمي.

وبزوال الدولة الحفصية نزل الإسبان في السواحل التونسية وبنوا بها قلاعا منيعة كيفوا عمارتها بحسب استعمال السلاح الجديد في ذلك العصر وهي المدفعية.

وإذ أجلى الأتراك العثمانيون الإسبان عن البلاد استعملوا قلاعهم وزادوا من تشييد عدد آخر منها، وما زال جلها موجودا سالما إلى هذا اليوم.

وفي عهد الأتراك العثمانيين أقبل على تونس وفود من الجالية الأندلسية المسلمة بعد تغلب النصارى عليها تغلبهم النهائي في بداية القرنين الحادي عشر هـ وكانوا أهل فن وأهل صنائع رقيقة فازدهرت الحضارة التونسية من جديد على عهدهم، إذ أقاموا لنا معالم على غاية ما تكون من الجودة والرقة، وتمتاز هذه المعالم بمسحتها الأندلسية الطاغية أحيانا عليها ولكن الممعن فيها يشاهد أيضا عناصر تركية وعناصر إيطالية وعناصر تونسية، وكل هذه العناصر تمتزج وتتفاعل وتنسجم بحيث تصعب تجزئتها.

ولتونس من هذه المعالم عدد وفير يشتمل على المساجد والمدارس والزوايا و التربات و الأسبلة والقصور والقناطر وغيرها، مما يتمثل فيه أحدث مظهر للفن التونسي وأقربه إلينا عهدا.

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.