الانكشارية و الصباهية في الماتلين

كيف وصل العثمانيون (الاتراك) الى الماتلين و لماذا؟

 زودت الدولة العثمانية كل ولاية من الولايات الخاضعة لها ،  بقوات عسكرية لتضمن السيطرةا عليها، والدفاع عنها، وإقرار الأمن والنظام فيها. وكانت هذه القوات العسكرية تتكون بصورة عامة من أوجاقين أساسيين
أوجاق من الفرسان (السباهية)، وكان هؤلاء  من الإقطاعيين، وأوجاق المشاة وهم على الأغلب من الانكشارية. ولكل أوجاق آغاه، وكخياه، ودفترداره والجميع تعينهم السلطة المركزية مباشرة. وسلطة الوالي على تلك القوات يحددها القانون نامه في كل ولاية، الذي يبين واجبات كل أوجاق وقائده. وكان أوجاق الفرسان لا يقيم في العادة في المدن وإنما في الأرياف في حين كان أوجاق المشاة يوزع على حاميات المدن الكبيرة والصغيرة في كل ولاية
وهذه الحاميات كانت تقيم في القلاع والحصون، ويراوح عدد أفراد الحامية بحسب حجم المدينة بين300-3000 من الجنود. وكانت العساكر الانكشارية  تمثل في الواقع سلطة السلطان حتى إن طائفة الانكشارية في مصر، وكانت تدعى المستحفظان، وهي واحدة من سبع طوائف في هذا القطر، عرفت بطائفة السلطان
ويتلخص عمل هذه الحاميات في حراسة المدينة بأسوارها وأبوابها، وحفظ الأمن فيها ، مهام الشرطة فيها، كما كان عليها حراسة القوافل ولاسيما قوافل الحجيج حيث وجدت، وحراسة المال المرسل من الولاية إلى خزينة الدولة في أثناء انتقاله، والقضاء على ما يمكن أن ينجم من اضطرابات في الولاية، أي الاشتراك في حملات الوالي، وكذلك الاشتراك في حملات السلطان أياً كانت جبهاتها، إذا ما استدعاها السلطان لهذا الغرض. وكانت هذه الحاميات ثابتة في مراكزها، لا تغير إلا نادراً. وهذا ما جعلها تستقر، وتصاهر السكان المحليين، مما جعلها تنخرط في صفوفهم ، ولاسيما بعد أن فتح الباب للمسلمين الأحرار. واتجه أفرادها، وعمليات القتال محدودة، إلى دخول ميداني الصناعة والتجارة، ولذلك غدت كأنها من أهل البلاد، حتى أطلق عليها، كما في ولاية الشام اسم الجند الشامي واليرلية أي المحلية
 وتاريخ العسكر الانكشاري في الولايات العربية لا ينسجم أبداً والمهمات التي أوكلت إليه، من حفظ للأمن والنظام فيها، وإنما ينطبق عليه كل ما ذكر في فقرتي فساد الانكشارية. فقد كونوا في جميع الولايات العربية من دون استثناء مركز قوة خطيراً، وعملوا بكل الوسائل غير المشروعة للحصول على مكاسب مادية، على حساب سكان الولايات، وللقبض على السلطة، والتمرد على الولاة وطردهم، وقتلهم

 فقد تمكن أوجاق الانكشارية في الجزائر (والانكشارية في هذه الولاية ليسوا من أصل مسيحي كما كانت حال الانكشارية في القرن السادس عشر وإنما جمعوا من مسلمي الأناضول) أن يسيطر على الحكم، وأن يحل أحدهم (الداي) محل الباشا، وفي تونس، تمكّن العسكر العثماني، بعد صراع بين الانكشارية والصبائحية (السباهية) من الاستيلاء على السلطة أيضاً، والأمر مشابه في طرابلس الغرب.
وأمام ذلك الفساد، وما أوجده من تصدع في حياة الدولة، وما سببه من هزائم عسكرية لها أمام القوى الأوربية، قرر السلطان سليم الثالث (1789-1807) إصلاح الجيش العثماني، والتخلص من تحكم الانكشارية بإدخال ما سمي النظام الجديد أي إعادة تنظيم الفرق العسكرية العثمانية، وتطوير أسلحتها، وتدريبها على النمط الأوربي الحديث. وخشي الانكشارية من هذا الإصلاح على وجودهم، فثاروا وخلعوا السلطان وقتلوه، وأتبعوه بمصطفى الرابع. ولمّا أظهر السلطان محمود الثاني (1808-1839م) تصميمه القاطع على إدخال النظام الجديد، تصدى له الانكشارية مرة أخرى، إلا أن السلطان استعان بالقوات العسكرية المؤمنة بالإصلاح، وبالسلطات الدينية وبالشعب ذاته، ولاسيما بعد أن أشعل الانكشارية النار في العاصمة، وسلبوا ونهبوا، فحاصرهم في ثكناتهم في اصطنبول، وضربهم بالمدفعية في «الوقعة الخيرية» كما سميت، وذلك في 10 ذي القعدة 1241هـ /16 حزيران 1826م، فقتل منهم الكثير. وأصدر السلطان فرماناً بإلغاء الفيالق الانكشارية إلغاءً كلياً، وإنشاء جيش جديد وفق النظم الأوربية الحديثة وأتبعه بفرمان آخرحل به الطريقة البكتاشية، وأمر بهدم تكاياها، لأنها كانت عوناً لهم.
لتوسع بالعالم الإسلامي
أصبح العثمانيون القوة الرائدة في العالم الإسلامي. وانتصر السلطان سليم الاول (1512-1520 م) على الصفويين في معركة جالديران مما مكنه من السيطرة على العراق و أذربيجان عام 1514م، ثم بلاد الشام وفلسطين عام 1516م بمعركة مرج دابق، واستولى على مصر بعد معركة الريدانية عام 1517 م. وبلغت الدولة أوجها في عهد ابنه سليمان القانوني (1520-1566 م) الذي واصل غزو البلقان (المجر عام 1519م، ثم حصار فيينا)، وفي عام 1532م، استولى بعدها على الساحل الصومالي من البحر الأحمر واستطاع بناء اسطول بحري لبسط سيطرته على البحر المتوسط بمساعدة خير الدين بربروس الذي قدم ولاءه للسلطان (بعد 1552 تم اعلان إنضمام الدول الثلاث الجزائر تونس وطرابلس إلى الدولة العثمانية : وذلك بطلب من الجزائر التي كان لها حكم ذاتي في تصرفها عندما طلب خير الدين بربروس العام 1518 المساعدة من الأستانة عقب مقتل أخيه بابا عروج من طرف الإسبان الذين احتلوا مدينة وهران وبعدها شواطئ تلمسان ومستغانم و تنس ودلس وبجاية حيث أخضعت طرابلس في حدود عام 1551م). فأصبحت الدولة تمتد على معظم ما يشكل اليوم الوطن العربي باستثناء وسط الجزيرة ومراكش وعُمان بإلإضافة إلى امتدادها في وسط آسيا وجنوب شرق أوروبا

البحر المتوسط في زمن السلطان سليم والسلطان سليمان القانوني

اختلف علماء التاريخ حول بداية التحالف بين العثمانيين والأخوين عروج خيرالدين ، فتذكر بعض المراجع أن السلطان سليم الأول كان وراء إرسالهم الى الساحل الأفريقي تلبية لطلب المساعدة من سكان الشمال الأفريقي وعملاً على تعطيل أهداف البرتغاليين والأسبان في منطقة البحر المتوسط. وعلى الرغم من عدم تداول هذه الرواية بين المؤرخين إلا أنها توضح أن العثمانيين لم يكونوا بمعزل عن الأحداث التي تدور على ساحة البحر المتوسط ويرجع بعض المؤرخين التحالف بين الجانبين الى سنة 1514م في أعقاب فتح عروج وخير لميناء "جيجل" حيث ارسل الأخوان الى السلطان سليم الأول مجموعة من النفائس التي استوليا عليها بعد فتح المدينة، فقبلها السلطان ورد لهما الهدية بإرسال أربع عشر سفينة حربية مجهزة بالعتاد والجنود، وكان هذا الرد من السلطان العثماني يعكس رغبته في استمرار نشاط دور الأخوين ودعمه. على أن بعض المؤرخين يذكرون أن الدعم العثماني لهذه الحركة كان في أعقاب وفاة "عروج" سنة 1518م وبعد عودة السلطان العثماني من مصر الى استانبول سنة 1519م
تجه الأخوان عروج وخير الدين الى الجهاد البحري منذ الصغر، ووجها نشاطهما في البداية الى بحر الأرخبيل المحيط بمسقط رأسهما حوالي سنة 1510م، لكن ضراوة الصراع بين القوى المسيحية في بلاد الأندلس وفي شمالي افريقيا بين المسلمين هناك، والذي اشتد ضراوة في مطلع القرن السادس عشر، قد استقطب الأخوين لينقلا نشاطهما الى هذه المناطق وبخاصة بعد أن تمكن الاسبان والبرتغاليون من الاستيلاء على العديد من المراكز والموانئ البحرية في شمالي افريقيا( )
وقد حقق الأخوان العديد من الانتصارات على القراصنة المسيحين الأمر الذي أثار أعجاب القوى الاسلامية الضعيفة في هذه المناطق ، ويبدو ذلك من خلال منح السلطان "الحفصي" لهم حق الاستقرار في جزيرة جربة التونسية وهو أمر عرضه لهجوم أسباني متواصل اضطره لقبول الحماية الاسبانية بالضغط والقوة، كما يبدو من خلال استنجاد أهالي هذه البلاد بهما، وتأثيرهم داخل بلادهم مما أسهم في وجود قاعدة شعبية لهما تمكنهما من حكم الجزائر وبعض المناطق المجاورة ويرى بعض المؤرخين أن دخول "عروج" وأخيه الجزائر وحكمهما لها لم يكن بناءً على رغبة السكان، ويستند هؤلاء الى وجود بعض القوى التي ظلت تترقب الفرص لطرد الأخوين والأتراك المؤيدين لهما، لكن البعض الآخر يرون أن وصول "عروج" وأخيه كان بناءً على استدعاء من سكانها لنجدتهم من الهجوم الأسباني الشرس، وأن القوى البسيطة التي قاومت وجودهما كانت تتمثل في بعض الحكام الذين أبعدوا عن الحكم أمام محاولات الأخوين الجادة في توحيد البلاد حيث كانت قبل وصولهما أشبه بدولة ملوك الطوائف في الأندلس، وقد ساند أغلب أهل البلاد محاولات الأخوين واشتركت أعداداً كبيرة منهم في هذه الحملات، كما ساندهما العديد من الحكام المحليين الذين شعروا بخطورة الغزو الصليبي الأسباني

سارع السلطان سليم الى منح رتبة بكلر بك الى خير الدين بربروس وأصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة في اقليمه ممثلاً للسلطان وبذلك أصبحت الجزائر تحت حكم الدولة العثمانية وأصبح أي اعتداء خارجي على أراضيها يعتبر اعتداء على الدولة العثمانية ودعم السلطان سليم هذا القرار بقرارات تنفيذية، إذ أرسل الى الجزائر قوة من سلاح المدفعية، وألفين من الجنود الانكشارية ومنذ ذلك الوقت (1519م) بدأ الانكشاريون يظهرون في الحياة السياسية والعسكرية في الأقاليم العثمانية في شمال افريقيا وأصبحوا عنصراً بارزاً ومؤثراً في سير الأحداث بعد أن كثر إرسالهم الى تلك الأقاليم، وأذن السلطان سليم لمن يشاء من رعاياه المسلمين في السفر الى الجزائر والانخراط في صفوف المجاهدين وقرر منح المتطوعين الذين يذهبون الى الجزائر الامتيازات المقررة للفيالق الإنكشارية تشجيعاً لهم على الانضمام الى كتائب المجاهدين ولقد هاجر سكان الأناضول الى الجزائر شوقاً الى عمليات الجهاد ضد النصارى ولقد ترتب على القرارات التي اصدرها السلطان سليم الأول عدة نتائج هامة كان من بينها
1- دخول الجزائر رسمياً تحت السيادة العثمانية اعتباراً من عام 1519م ودعي للسلطان سليم على المنابر في المساجد وضربت العملة باسمه
كانت المرحلة الثانية بالنسبة لخير الدين بعد هجومه على السواحل الجنوبية لإيطاليا وجزيرة صقلية هي تونس، وذلك لتنفيذ خطة الدولة، والتي تقتضي تطهير شمال افريقيا من الاسبان كمقدمة لاستعادة الأندلس، إذ سبق وأن أشار خير الدين بربروسا على السلطان سليمان القانوني في خطابه للسلطان الذي بعثه قبيل استدعاء السلطان له في 940هـ / 1533م، إذ قال فيه " ... إن هدفي إذا قدر لي شرف الاشتراك هو طرد الاسبان في أقصر وقت من أفريقيا، ومن الممكن أن تسمع بعد ذلك أن المغاربة قد أغاروا على الاسبان من جديد ليستعيدوا مملكة قرطاجة وأن تونس قد أصبحت تحت سلطانك أنني لا أبغي من وراء ذلك أن أحول بينك وبين توجيه قواتك ناحية المشرق كلا ... لأن هذا لن يحتاج لكل ما تملك من قوات ولاسيما أن حروبك في آسيا أو أفريقيا تعتمد أكثر ما تعتمد على قوات برية، أما هذا الجزء الثالث من العالم فإن كل ما أطلبه هو جزء من أسطولك وسيكون ذلك كافياً، لأن هذا الجزء يجب أن يخضع لسلطانك أيضاً
وصل الأسطول العثماني تحت قيادة خير الدين إلى السواحل التونسية فعرج على مدينة عنابة، وتزود ببعض الامدادات، ثم تقدم نحو بنزرت ثم اتجه إلى حلق الواد، إذ تمكن منها بدون صعوبة ، واستقبل خير الدين من قبل الخطباء والعلماء، وأكرموه وتوجهوا إلى تونس في نفس الوقت وهرب السلطان الحفصي الحسن بن محمد إلى اسبانيا ، ثم عين خير الدين الرشيد أخو الحسن بن محمد على تونس، وأعلن ضم تونس للأملاك العثمانية، في وقت بدت فيه سيادة العثمانيين في حوض البحر المتوسط الغربي
ومن قرائن اهتمام الأسرة العلوية بالبكتاشية صدرور أوامر محمد سعيد باشا (1854-1863م) بتخصيص المغاره التي دُفن فيها عبدالله المغاوري ‏"قبوغوسز‏"‏ للطريقة البكتاشية، وهذا يعني أن رابع حكّام أسرة محمد علي باشا قد جاهر بولائه للبكتاشية الباطنية التي تعتنقها الأكثرية الألبانية الأرنؤوطية في آقجه حصار ـ تيرانا وغيرها. ومن أبرز القرائن انتقال التكية البكتاشية المركزية من ألبانيا إلى مصر برعاية الحكومة
.

Ajouter un commentaire

×