صفحات من تونس- دخول الاسلام الى افريقية جزء 2

صفحات من تونس- دخول الاسلام الى افريقية جزء 2

 

رأينا ان ولاية ابو المهاجر بن دينار استمرت في شمال افريقيا (من افريقية الى تلمسان) مدة طويلة من سنة 55 هـ الى 62 هـ. أقام بها دينار ولم يتركها للعودة بعد الغزوة بالغنائم لمقر الحكم الاموى. رغم صمت المراجع الاسلامية عن اغلب اخبار دينار ربما لأنه ليس عربيا ولا صاحبا ولا تابعا بل مجرد مولى لمسلمة بن مخلد وتابع له الا اننا نستشف مما وصلنا من اخبار انه اول من اقام بالشمال المغربي لمدة طويلة مقارنة بمن سبقه وباللاحقين به من الغزاة العرب دون كبير اهتمام بحرب ولا سبي ولا غنائم.
كيف تم التوافق بين دينار والامازيغ الثائرين على الاستعمار البيزنطي والاستعمار العربي ؟
كيف اعتنقت قبائل الامازيغ البترية التي اقام بينها دينار في قيروان عقبة او تيكروان التي تذكرها المصادر العربية والغير البعيدة عن القيروان ثم قبائل البرنس بزعامة اوربة ومن والاها الاسلام في عهد دينار بكل بساطة متخلين عن معتقداتهم (سواء "الوثنية" او التوحيدية اليهودية والمسيحية) التي ثبتوا عليها على مدى قرون بل ومضوا معه في حروبه حتى تلمسان غربا وقرطاجنة شرقا ليحصل بعد معاهدة مع مع اهل قرطاجنة على شبه جزيرة شريك؟
المنطق يحملنا على الاعتقاد انه لم يكن هناك تصادم عقائدي بين القطبين بل توافق مع الحياة الاجتماعية للقبائل البترية الامازيغية ووتوافق سياسي مع البرنس ضد الاستعمار البيزنطي خمد بعد اصلاحات قسنطين الرابع الدينية التي قاربت بين وجهات النظر العقائدية بين القسطنطينية ومستعمراتها وأبرزت حدة الاطماع العربية الاستعمارية بعد عودة عقبة ابن نافع شاهر السلاح وممتهنا كرامة الامازيغ.
المنطق السليم يؤكد ايضا ان سياسة دينار الذي انشأ صلات ولاء مع الامازيغ وصادق كسلية ملك قبائل اوربة ليعم السكون في عهده ادت الى انقطاع المال الوارد الى الفسطاط من افريقية وهو السبب المباشر والمقنع الوحيد في اعادة معاوية لعقبة ابن نافع الذي لم يتبع سياسة سلفه اللينة والتوافقية بل سعى الى اعمال السيف في حروب ابادة كبيرة كاشفا عن الغاية الفعلية من قدومه الى افريقية اذ لما قال له ابو المهاجر نقلا عن رياض النفوس للمالكي "ليس بطنجة عدو لك لأن الناس قد اسلموا وهذا رئيس البلاد فابعث معه واليا ... أبى عقبة إلا ان خرج بنفسه". كلما يمر بمدينة او قرية ويحاربها تذكر المصادر الاسلامية انه يقتل كثيرا ويغنم كثيرا ويمضي وما من تفسير منطقي لإهانته لكسلية إلا التعبير عن احتقاره واستخفافه بالامازيغ كلهم مما أثار قبيلة اوربة وكل من والاها من القبائل الامازيغية الاخرى. لهذا كان قتله من طرف البربر انتقاما لما الحقه بهم من تعد على الكرامة والأرزاق دون اي دخل لدين او معتقد فلم تذكر هذه المصادر انه اقام حلقات تفقيه في الدين ولا اللغة ولا انشأ بيوت عبادة او غير الكنائس الى مساجد لمن معه من مسلمين او لمن اسلم من القبائل التي غزاها.
ككل من سبقه من قادة الغزو العربي الذين تذكرهم المصادر الاسلامية والذين جاؤوا "لنشر" الدين الاسلامي في شمال افريقيا كما يردد كل المدافعين عن هؤلاء الغزاة، بلغ المحيط في حربه ضد الامازيغ كما توضحه الخريطة التالية http://sites.google.com/site/ictroyalluxe/fatharabmaroc1.JPG
دون ان يترك بينهم، ككل من سبقه مدنا اسلامية الطابع، بل ذكرى سيئة لغزو غايته الاساسية السلب والنهب.
حسب كل ما تقدمه المصادر الاسلامية من اخبار لأعمال عقبة ألعسكرية هل كان عقبة ككل من سبقه قائدا يحقق اهداف سادته الاستعمارية دون ان يكون للدين اي تأثير عليه ولا غايته الاساسية التي يسعى الى تحقيقها او كان وليا من اولياء الله الصالحين الراغبين في الاستشهاد في سبيل نشر كلمة ربه كما تصفه المراجع الاسلامية مناقضا بذلك فعله الميداني في غزوه للشمال الافريقي حيث كان يحارب المدن والقرى التي يمر بها فيستلب ويسبى وينهب ثم يمضي في سبيله دون اي تفاعل فعلي مع اهل المدن التي قام بمحاصرتها وقتل رجالها وسبي نساءها وما قاله عنه عبد الله بن عمرو بن العاص لما قدم اليه في مصر " حدثنا عبدالملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن بحير بن ذاخر المعافري قال كنت عند عبدالله بن عمرو بن العاص حين دخل عليه عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهري فقال ما أقدمك يا عقبة فإني أعلمك تحب الإمارة قال فإن أمير المؤمنين يزيد عقد لي على جيش إلى إفريقية" ابن عبد الحكم؟

 

- See more at: http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=307318#sthash.zp7dp31H.dpuf

لن يقدر اي مؤمن بشرعية الجهاد في سبيل الله وضرورة فعل "الفتح الإسلامي لنشر الدين ان يثبت ان عقبة ومن سبقه وقفوا امام الشعوب التي استباحوها باسم الدين عارضين الاسلام او الجزية او الحرب كما يؤكد النص التشريعي الاسلامي لأن كل المراجع تؤكد ان كل ما فعلوه هو الانقضاض على المدن الآمنة ومقاتلتها وجمع اكبر غنيمة ممكنة من مال وعبيد وسبايا ثم الرحيل السريع الى غيرها او التراجع لاستجماع القوى للانقضاض من جديد دون اي تفاعل مع اهل هذه المدن المنكوبة او البقاء فيها لتضميد الجراح بكلمة قدسية تفسر فعلهم الشنيع بعد تحقيق غاية الغزو.
مصرعه في تهودة كان نهاية طبيعية لتجاوزاته وانتهاكه لشعب سالم دينارا لسبع سنوات وساعده لكنه ثار وأبى الانصياع لغطرسة عقبة وامتهانه له وهنا نسأل لماذا لم يسعى جنده الذين سبقوه الى القيروان بمساعدة من كان في افريقية من اتباعه للانتقام له لما طالبهم زهير بن قيس البلوي بذلك؟ هل كان خروجهم السريع، بزعامة حنش الصنعاني قائد دينار على شبه جزيرة شريك الافريقية بين سوسة وتونس وجبل زغوان، لمصر حفاظا على ما جمعوه من غنائم ام لعدم قناعتهم بشرعية قضية قائدهم بعد ان فقدوا معه خلال حروبهم الالاف من رفاقهم دون ان يتركوا اي اثر لهم في اي من المدن التي حاربوها ام بسبب التعب الذي لحق بهم بعد طول طواف على مدن الشمال الافريقي كما تذكر المراجع؟
بعد مقتل عقبة ورحيل جنده لمصر رحل زهير بن قيس البلوي وأقام في برقة (أقام في مصر حسب فتوح مصر لابن عبد الحكم الى ان امره عبد العزيز بن مروان بالذهاب لحرب الروم الذين هاجموا برقة "وانزلوا بها من الفساد شيئا كثيرا") في حين استرجع الامازيغ ارضهم و صارت القيروان عاصمة ملك كسيلة الذي استمرت فترة حكمه لافريقية ونوميديا خمس سنوات اسس خلالها مملكة امازيغية تشمل الاوراس والجزء الجنوبي من قسنطينة والجزء الاكبر من افريقية..
سلوك كسيلة ازاء أسرى تهودة ومن بقي من اتباع عقبة وزهير بن قيس في القيروان يبرز طبيعة طبيعة الامازيغ المسالمة ورغبتهم في اعادة الامن والسلام لموطنهم، فهم قد ساندوا ابا المهاجر دينار كما فعلوا مع الفنيقيين قديما ومع الونداليين ضد روما التي كانت بعض قبائلهم المستقلة والتي رفضت الرومنة ورحلت الى المناطق الداخلية لما سلبت مراعيها ومزارعها تتربص بحامياتها ومدنها الافريقية فيهاجمونها انتقاما ودفاعا عن بلادهم كلما سنحت لهم الفرصة لذلك، رغم ان روما لم تستعبدهم بل منحت من والاها منهم امكانية ان يكون امبراطورا في بلاط روما مركز الحكم.
باستثناء مساندتهم لدينار وقفوا بشراسة امام الغزو العربي في كل مراحله السابقة واللاحقة لأنه انتهك حرماتهم وسلب ارزاقهم وهدد امنهم. لكن ما ان حرروا بلادهم من التواجد العسكري العربي برحيل زهير ومقتل عقبة وبدل الانتقام من الاعداء وأنصارهم بعد النصر الكبير الذي حققه، اطلق كسيلة محمد بن أوس الانصاري وبقية أسرى تهودة بناء على طلب صاحب قفصة كما أمّن من بقي من الموالين لعقبة في القيروان في حين كان قادرا على تصفيتهم نظرا لعدد من كان معه من الموالين له ومن انصاره من الروم. نقرا في نهاية الأرب في فنون الأدب.. النويري وابن الاثير اسد الغابة الجزء الرابع."وأما كسيلة فاجتمع إليه جمع كبير فقصد القيروان وبها أصحاب الأثقال والذراري من المسلمين. فطلبوا الأمان من كسيلة فأمنّهم. ودخل القيروان واستولى على إفريقية. وأقام بها إلى أن قوي أمر عبد الملك بن مروان."
لما نقرأ في بعض المصادر التي تمتدح قادة الغزو العربي مؤكدة انهم كانوا ينهلون من معين النص التشريعي الاسلامي السمح نسأل مما كان ينهل كسيلة الامازيغي المرتد كما تصفه المصادر الاسلامية؟
لكن لأن البقاء للأقوى استقلال افريقية لم يدم طويلا اذ ما ان أخمد عبد الملك بن مروان الاضطرابات الداخلية حتى ارسل زهيرا (69هـ/689م) للانتقام لمقتل قائده عقبة وإعادة احتلال شمال افريقيا.
في نهاية الارب نقرأ " فلما وصل ذلك إليه أقبل إلى إفريقية في عسكر عظيم وذلك في سنة تسع وستين. فبلغ خبره كسيلة فجمع البربر وتحول عن القيروان إلى ممش. وجاء زهير فأقام بظاهر القيروان ثلاثة أيام حتى استراح وأراح. ثم رحل إلى كسيلة. والتقيا واشتد القتال وكثر القتل في الفريقين. فأجلت الحرب عن قتل كسيلة وجماعة من أصحابه. وانهزم من بقي منهم. فتبعهم الجيش فقتلوا من أدركوه."
ساعد زهير في معركته مع كسيلة ومن والاه من القبائل الامازغية من جهة نقض الروم لعهدهم للقائد الامازيغي لأنهم ارادوا ان يتخلصوا من احدهم ليسهل عليهم محاربة الثاني وبذلك يسترجعون سلطانهم على افريقية حسب ما اورده المالكي في رياض النفوس ومن جهة أخرى مساندة بعض القبائل المحلية التي وجدت في العرب نصيرا لها ضد الروم والقبائل المسيحية كما وجدت ان مشاركتها لهم تمتعها بالاشتراك في الاسلاب. مما يعني ان الدافع لم يكن اعتناقهم الاسلام بقدر ما هو الرغبة في الكسب المادي عبر الاشتراك في الحروب والأسلاب الى جانب العداء للمستعمر القديم الموالي لكسيله الذي كان مسيحيا وعلى صلة ولاء مع روم بيزنطة.
بعد مقتل كسيلة والقضاء على مقاومة البرنس نهائيا بقتل كل من فر منهم الى الجبال طلبا للنجاة عاد زهير الى برقة لمحاربة الروم الذين يترصدون به هناك. نجد في تاريخ البلاذري " فتح تونس ثم انصرف إلى برقة‏...‏ فبلغه أن جماعة من الروم خرجوا من مراكب لهم فعاثوا فتوجه إليهم في جريدة خيلٍ فلقيهم فاستشهد ومن معه."
فهل كان قدوم زهير الى افريقية للقضاء على ثورة الامازيغ بزعامة كسيلة فتحا مبينا غايته نشر الاسلام أم كان مجرد حملة انتقام لمقتل عقبة انسحب على اثرها زهير الى برقة دون ان يترك أي اثر له بافريقية ودون ان يكون فيها وال لحاكم مصر او القصر الاموي الحاكم في الفسطاط لانشغال عبد الملك بثورة الزبيريين؟
هل انسحاب زهير من افريقية كان نتيجة خوفه من تاثير بذخ العيش في افريقية على الرجل المجاهد الورع الذي كانه حسب تعليل المصادر الاسلامية وهو تعليل ضعيف اذ ان افريقية كانت دار حرب انعدم فيها الامان وبالتالي الرخاء الاقتصادي ثم ان القائد الورع يرابط على ابواب دار الحرب لنشر الدين فيها ولا يتركها للمدن الكبيرة حيث رفاهة العيش الفعلية، ام انه كان عزلا من طرف والي مصر عبد العزيز بن مروان الذي تذكر المصادر الاسلامية عداءه الكبير له وخلافة معه، ام انه كان في الحقيقة نتيجة الخوف من ثورة أمازيغية اخرى يمكن ان تقضي عليه كما حصل مع قائده عقبة فآثر السلامة والانسحاب لبرقة لأنه يعلم ان ما قام به كان له اثر سيء وعدواني في نفوس عموم الامازيغ ولأنه يعلم ايضا ان فعله العسكري في الشمال الافريقي -ان صح فعلا ما نقله كتبة السير والتاريخ العربي في القصر العباسي في نهاية القرن الثامن والقرن التاسع- لا علاقة له بنشر وهداية الكفار لدين تقول المصادر الاسلامية انه حارب تحت رايته بل كان توسعا استعماريا لصالح ملك لم تتعرب الدواوين إلا في عصره والتي تحمل اسمه ورسوما او احرفا تشير الى المسيح ولا تذكر لا الاسلام ولا المسلمين ، ملك لم يترك دليلا على وجود اسلام في عصره، بنى قبة الصخرة على شكل معبد النار المجوسي ووضع كتابات تمجد المسيح الذي يلقب باسم محمد رسول الله والتي مُحيت وغُيرت بعده بقرنين مزاوجا بين معتقداته اليهو-مسيحية والزرادشتية الفارسية التي نجد تأثيرها الكبير على جملة العبادات الاسلامية؟
توقف احتلال افريقية الى ان قضى عبد الملك على "عبد الله بن الزبير، فلما قتل ابن الزبير جهز عبد الملك حسان ابن النعمان إليها" في حملته الاولى -نهاية الارب- لكن حربه ضد الكاهنة لم تُثمر نصرا للعرب اذ تغلبت عليه وهزمته وتتبعه جيشها حتى اخرجوهم من " من عمل قابس ولحق حسان بعمل طرابلس " ابن خلدون المجلد 5 ص 128
ثورة الامازيغ ضد المستعمرين الجدد لم تتوقف اذ تذكر ذات النصوص العربية القديمة الكاهنة القائدة الامازيغية البترية بعد افول قوة البرنس التي جمعت من بقي ثائرا من بينهم ودافعت عن ارض اجدادها الى ان ماتت في سبيل تحريرها.
يسميها العرب حارقة البيوت المشعوذة لأنها رفضت الانصياع للغزو العربي للشمال الافريقي وواجهته بإصرار واعتمدت سياسة الارض المحروقة التي اثارت عليها الموالين للعرب من القبائل الامازيغية في افريقية وهي الحادثة التي يذكرها النويري في نهاية الارب فيقول أن الكاهنة قالت لقومها: " إن العرب يريدون البلاد والذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعي، ولا أرى إلا خراب إفريقية حتى ييأسوا منها. وفرقت أصحابها ليخربوا البلاد فخربوها، وهدموا الحصون، وقطعوا الأشجار ونهبوا الأموال. قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: وكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلاً واحداً وقرى متصلة، فأخربت ذلك. فلما قرب حسان من البلاد، لقيه جمع من أهلها من الروم يستغيثون به من الكاهنة. فسره ذلك. وسار إلى قابس. فلقيه أهلها بالأموال والطاعة، وكانوا قبل ذلك يتحصنون من الأمراء. فجعل فيها غلاماً وسار على قفصة فأطاعه من بها واستولى عليها وعلى قسطيلية ونفزاوة."
خلفت داهيا/الكاهنة، قائدة قبيلة الجراوة اليهودية كما يقول ابن خلدون، كسيلة في زعامة الامازيغ وحربهم لتحرير ارضهم وصون كرامة قبائلها. انظم اليها الامازيغ البرنس والبتر الثائرين على الغزو العربي الاستعماري " وقد ضوي إليها بنو يفرن ومن كان بإفريقية من قبائل زناتة وسائر البتر " فتمكنت من بسط نفوذها على افريقية ونوميديا والانتصار على حسان بن نعمان من سنة 69 هـ حتى مقتلها في جبال الأوراس سنة 83هـ/701م والتي يقول ابن الاثير في تاريخه الكامل المجلد الرابع صفحة 471 حول قوة نفوذها ومكانتها: " وقد اجتمع حولها البربر بعد قتل كسيلة، فسأل أهل افريقية عليها فعظموا محلها وقالوا: إن قتلتها لم تختلف البربر بعدها عليك".
المثير ان الكاهنة تماما ككسيلة بعد هزيمة حسان وفراره الى برقة لم تقتل من بقي من انصاره ولما دخلت القيروان لم تلحق أي ضرر بها ولا بمتساكنيها لنسأل ثانية من أي معين كانت الكاهنة تستمد التسامح والرحمة مع المخالفين لها وأنصار اعداءها بل وأعداءها ذاتهم حيث اطلقت سراح اسراها من العرب الغزاة وتبنت احدهم. ذكرهم ابن الاثير في ذات ألصفحة : " فالتقوا على (نهر نيني) واقتتلوا أشد قتال رآه الناس فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير وانهزم حسان وأسر منهم جماعة كثيرة أطلقتهم الكاهنة سوى خالد ابن يزيد القيسي وكان شريفا شجاعا فاتخذته ولدا "؟

لتحقيق غايات بعثته منح عبد الملك حسانا مال مصر المستعمرة العربية والتي قال فيها عمر بن الخطاب "أخرب الله مصر في عمار المدينة وصلاحها" لا مالا من خزينة دولته قائلا له حسب ما ورد في نهاية الارب (416/6) : "إني قد أطلقت يدك في أموال مصر، فاعط من معك ومن ورد عليك من الناس، واخرج إلى جهاد إفريقية على بركة الله" ونقرأ عن ابن الأثير في تاريخه الكامل: إنه استعمله في سنة أربع وسبعين بعد مقتل عبد الله بن الزبير(عند ابن عبد الحكم سنة 73هـ). وقال ابن الرّقيق إنه ندبه إلى إفريقية في سنة تسع وستين. قال: فدخل إفريقية بجيش عظيم ما دخلها مثله قط. فدخل القيروان وتجهز منها إلى قرطاجنّة."
على نقيض سلوك الكاهنة مع الامازيغ الموالين للعرب ومن بقي من العرب بالقيروان، في عمله العسكري في افريقية لم يشذ حسان عن سيرة من سبقه من قادة. نقرا في نهاية الارب أنه "لما دخل حسان إلى القيروان سأل عن أعظم ملك بقي بإفريقية. فقيل له: صاحب قرطاجنة، وهي بلدة عظيمة، ولم تفتح بعد، ولا قدر عليها عقبة. فسار إليها. وقاتل من بها من الروم والبربر أشد قتال. فانهزموا وركبوا في البحر. وسار بعضهم إلى صقلية وبعضهم إلى الأندلس ودخل حسان قرطاجنة بالسيف فقتل وسبي ونهب. وأرسل الجيوش إلى ما حولها. ثم أمر بهدمها فهدم المسلمون منها ما أمكنهم. ثم بلغه أن الروم والبربر قد اجتمعوا في صطفورة وبنزرت. فسار إليهم وقاتلهم، فهزمهم وأكثر القتل فيهم واستولى المسلمون على بلادهم. ولم يترك موضعاً منها حتى وطئه. فخافه أهل إفريقية خوفاً شديداً. ولجأ المهزمون من الروم إلى مدينة باجة فتحصنوا بها وتحصن البربر بمدينة بونة. وعاد حسان إلى القيروان فأقام بها حتى أراح واستراح."
لم يعرض حسان كمن سبقه الاسلام او الجزية او الحرب بل سارع الى اعمال السيف والقتل في سبيل السلب والنهب ويؤكد ذلك البلاذري بقوله " إن حسان غزاها ثانية فقتلها وسبى سباً من البربر، وبعث به إلى عبد العزيز. فكان أبو محجن نصب الشاعر يقول: "لقد حضرت عند عبد العزيز سبياً من البربر ما رأيت قط وجوهاً أحسن من وجوهم"
بعد القضاء على ثورة الكاهنة "بطل النزاع واستقامت إفريقية له". ولما عزله عبد العزيز بن مروان قدم اليه وأهداه " مائتي جارية ووصيف من خيار ما كان معه ويقال: إن حسان كان معه من السبي خمسة وثلاثون ألف رأس " فهل هذا العدد من "الرؤوس" ينضوي ضمن نشر الدعوة الدينية ام العمل العسكري الاستعماري التوسعي؟
ثم تذكر المصادر انه لما قدم بين يدي الخليفة الوليد قال لمن معه :" ائتوني بالقرب. فأتي بها فأفرغها بين يدي الوليد. فرأى ما أذهله من أصناف الجوهر واللؤلؤ والذهب. فقال حسان: يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهداً في سبيل الله، ولم أخن الله تعالى ولا الخليفة" لنسأل آن لم يخالف حسان امر الله فمن اين اتى بكل هذه الغنائم؟ أليست اسلابا من افريقية ونوميديا اخذها عنوة من اهلها تحت حد السيف؟ ام انه علينا القبول بأنه يحق في جهاد الطلب كل تجاوز وكل تعد دون أي اعتراف بوحشية المجاهد لأن الاخر المسلوب ليس سوى كافرا مخالفا لشرع اله الخليفة يمكن امتهانه والتعدي عليه دون أية ضوابط اخلاقية؟
ما قدمه حسان للوليد دفع هذا الاخير ليطلب من قائده، الذي قدم غنيمة مذهلة لم يكن يتوقعها، العودة لنهب وسلب أكبر وأمام رفضه كلف موسى بن نصير ملك السبي في التاريخ العربي بالرحيل للشمال الافريقي لفتح البلاد المفتوحة (تونس التي كان قد وقع فتحها مرار قبل زهير بن قيس)؟
هل فتح البلاد المفتوحة شرعي وموافق للنص القرآني الذي يقول " فإن جنحوا للسلم فاجنح لها" "لآ ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم و تقسطوا اليهم." وقد رأينا ان اهل افريقية قبلوا بحسان ومنحوه مالهم لمحاربة الكاهنة واستقام له الامر بينهم وترك بينهم بعد عزله "ابا صالح" خليفة له فعزله موسى بن نصير سنة 83هـ الذي صارت في عهده افريقية ولاية مستقلة عن مصر استمر حكمه لها لسنة 95(هـ)؟
عند قدومه " بلغه أن بأطراف إفريقية قوماً خارجين عن الطاعة. فوجه إليهم ابنه عبد الله فقاتلهم وظفر بهم. وأتاه بمائة ألف رأس من سبيهم. ثم وجه ولده مروان إلى جهة أخرى، فأتاه بمائة ألف رأس. ثم توجه هو بنفسه إلى جهة أخرى فأتي بمائة ألف رأس. قال الليث بن سعد: فبلغ الخمس يومئذ ستين ألف رأس ولم يسمع بمثل هذا في الإسلام." نهاية الارب.
وفي فتوح مصر:" حدثنا عبدالملك بن مسلمة حدثنا الليث بن سعد أن موسى بن نصير حين غزا بعث ابنه مروان عل جيش فأصاب من السبي مائة ألف وبعث ابن أخيه في جيش أخر فأصاب مائة ألف فقيل لليث بن سعد من هم فقال البربر فلما أتى كتابه بذلك قال الناس ابن نصير والله أحمق من أين له عشرون ألفا يبعث بها إلى أمير المؤمنين في الخمس فبلغ ذلك موسى بن نصير فقال ليبعثوا من يقبض لهم عشرين ألفا"
وكان موسى قد سن قانونا حربيا سبقه اليه حسان بن نعمان يتمثل في اخذ رهائن بشرية ممن يسالمونه يقوم بقتلهم لو خرجوا من طاعته فنقرا عن ابن عذارى :" إلى قبائل من البربر فلم يلق حرباً منهم فرغبوا في الصلح منه فوجه رؤساءهم إلى موسى بن نصير فقبض رهونهم... لما حمل أبو مدرك زرعة بن أبي زرعة رهائن المصامدة جمعهم موسى مع رهائن البربر الذين أخذهم إلى أفريقية والمغرب" فهل هذا الرهن من بين اسس نشر الدين بين الامازيغ قام به مجاهد في سبيل ربه تقي وورع؟
ويقول ابن قتيبة الدينوري المتوفي سنة 276 هـ في كتابه :الامامة والسياسة في فتح زغوان " فوجه لهم موسى خمس مئة فارس عليهم رجل من خشين يقال له عبد الملك فقاتلهم فهزمهم الله و قتل صاحبهم ورقطان ,و فتحها الله على يد موسى ,فبلغ السبي يومئذ عشرة آلاف رأس ,وانه كان أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى ,ثم وجه ابنا له يقال له :عبد الرحمن بن موسى الى بعض نواحيها فأتاه بمئة ألف رأس ثم وجه ابنا له يقال له مروان فاتاه بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين ألف رأس"
ويقول ايضا في سبي موسى ابن نصير " قال : و ذكروا أن موسى بن نصير كتب الى عبد العزيز بن مروان بمصر يخبره بالذي فتح الله عليه ,وأمكن له , و يعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا و كان ذلك وهما من الكاتب ,فلما قرأ عبد العزيز الكتاب ,دعا الكاتب و قال له :ويحك !اقرا هذاالكتاب ,فلما قرأه قال هذا وهم من الكاتب فراجعه فكتب آليه عبد العزيز :انه بلغني كتابك و تذكر فيه أن قد بلغ خمس ما أفاه الله عليك ثلاثين ألف رأس ,فاستكثرت ذلك , وظننت أن ذلك وهم من الكاتب ,فاكتب الي بعد ذلك على حقيقة ,واحذر الوهم ,فلما قدم الكتاب على موسى كتب اليه بلغني أن الأمير أبقاه الله يذكر أنه استكثر ما جاءه من العدة,التي أفاه الله علي ,و أنه ظن أن ذلك وهم من الكاتب,فقد كان ذلك وهما على ما ظنه الأمير , الخمس أيها الأمير ستون ألفا حقا ثابتا بلا وهم .قال :فلما أتى الكتاب الى عبد العزيز و قرأه ملأه سرورا."
ويقول في سبي هوارة و زناتة و كتامة " وذكروا أن موسى أرسل عياش بن أخيل الى هوارة و زناتة في الف فارس فأغار عليهم و قتلهم و سباهم ,فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس و كان عليهم رجل منهم يقال له كمامون فبعث به موى الى عبد العزيز في وجوه الأسرى,فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة فسميت بركة كمامون"

لماذا اهملت كل النصوص العربية ان تذكر انه دعى الى الاسلام بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة قبل كل حرب يشنها في حين تذكر بالتفصيل السبي والنهب وعدد الرؤوس المجموعة كما لو ان ما تقدمه هو سيرة مافيا منظمة وقطاع طرق بعد ان يضمنوا خضوع الجماعة المنهزمة لهم يضعون من يعلمهم عقائدهم كواجب عسكري لا دعوي عقائدي سلمي في عدد ضئيل جدا بالمقارنة مع عدد القبائل والمدن المنتهكة والمسلوبة حيث نقرأ في نهاية الارب:"ترك موسى بن نصير سبعة عشر رجلاً من العرب يعلمونهم القرآن وشرائع الإسلام ثم اية شرائع هذه التي سيعلمها الغازي المنتصر لشعب مستعمر ومهان سبيت نساءه وجرد من ثرواته؟
في فتوح مصر وأخبارها تصدمنا الكلمات المستعملة ك" وطئ وسبى وغنم و بث السرايا" لذكر عدوانية موسى في انتهاكه للقبائل المهزومة. لما نقرا :"أن موسى بن نصير خرج من أفريقية غازيا إلى طنجة وهو أول من نزل طنجة من الولاة وبها من البربر بطون من البتر والبرانس ممن لم يكن دخل في الطاعة فلما دنا من طنجة بث السرايا فانتهت خيله إلى السوس الأدنى فوطئهم وسباهم وأدوا إليه الطاعة وولى عليهم واليا أحسن فيهم السيرة ووجه بسر بن أبي أرطأة إلى قلعة من مدينة القيروان على ثلاثة أيام فافتتحها وسبى الذرية وغنم الأموال" ألا نلاحظ ان الغاية الفعلية كانت الاستعمار وفرض الطاعة عبر الانتهاك المادي والجسدي للشعوب المسلوبة؟
هل يمكن اعتبار غزو موسى بن نصير للشمال المغربي فتحا مبينا وقد كان يأخذهم على حين غرة وهم لا يشعرون بمقدمه فيقتل ويسبي وهل نشر الدين يكون بالهجوم الفجائي على المدن الامنة لكي نجعل من فعله الاجرامي عملا دعويا غايته نشر الدين :"وذكروا أن الجواسيس أتوا موسى، فقالوا له: إن صنهاجة بغرة منهم وغفلة، وإن إبلهم تنتج، ولا يستطيعون براحا، فأغار عليهم موسى بأربعة آلاف من أهل الديوان، وألفين من المتطوعة، ومن قبائل البربر، وخلف عياشا على أثقال المسلمين وعيالهم بظبية في ألفي فارس، وعلى مقدمة موسى عياض بن عقبة، وعلى ميمنته المغيرة بن أبي بردة، وعلى ميسرته زرعة بن أبي مدرك، فسار موسى حتى غشي صنهاجة، ومن كان معها من قبائل البربر، وهم لا يشعرون، فقتلهم قتل الفناء، فبلغ سبيهم يومئذ مئة ألف رأس، ومن الإبل والبقر والغنم والخيل والحرث والثياب ما لا يحصى، ثم انصرف قافلا إلى القيروان، وهذا كله في سنة ثمانين فلما سمعت الأجناد بما فتح الله على موسى وما أصاب معه المسلمون من الغنائم رغبوا في الخروج إلى الغرب، فخرج نحو مما كان معه، فالتقى المغيرة وصنهاجة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الله منحه أكتافهم وهزمهم، فبلغ سبيهم ستين ألف رأس ثم انصرف قافلا"ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة ، باب موسى بن نصير؟
بماذا نفسر الفعل العسكري لموسى ابن نصير الذي كان "إذا سار إلى مكان تحمل الأموال معه على العجل لكثرتها وعجز الدواب عنها" (البداية والنهاية) والذي عاد لأفريقية بعد غزو فاندالوسيا/ اسبانيا"وهو راكب على بغل اسمه كوكب وهو يجر الدنيا بين يديه جرا، أمر بالعجل تجر أوقار الذهب والجواهر والتيجان والثياب الفاخرة ومائدة سليمان، ثم استخلف ولده بإفريقية، وأخذ معه مائة من رؤوس البربر، ومائة وعشرين من الملوك وأولادهم، وقدم مصر في أبهة عظيمة" تاريخ الإسلام - الذهبي - ج ٦ - الصفحة ٤٨٧؟؟
وبما نفسر ما قام به رجاله الذين ارسلهم الى جزيرة سردانية حيث "كان بعضهم يذبح الهرّ، ويرمي ما في جوفه، ويملأه دنانير، ويخيط عليها، ويلقيه في الطريق. فإذا خرج أخذه. وكان يضع قائم سيفه على الجفن ويملأه ذهباً. فلما ركبوا في البحر سمعوا قائلاً يقول: اللهم غرّقهم. فغرقوا عن آخرهم" وكيف يستجيب هذا الاله الذي دعاه اهل سردانية فيغرق الغزاة العرب الذين قدموا لإعلاء رايته ونشر دينه؟

هل يمكن القبول بعمل موسى العسكري في افريقية كفعل فتح ديني مبين لبلاد مفتوحة ام غزو همجي استعماري لجمع اكبر عدد ممكن من الثروات والعبيد والسبايا في بلدان كانت لها حضاراتها ولغاتها الخاصة التي تختلف جذريا عن العربية؟
لما دخل العرب مصرا سنة 18 و 19 هـ (640م- 639م) وحتى السيطرة عليها بالكامل سنة 642م لم يكن بين ايديهم كتاب مقدس ولم يكن الاقباط ومن استوطن مصر من الرومان يفقهون اللغة العربية ثم لما استتب لهم الامر في مصر وانطلقوا الى افريقية (تونس) في عدد كبير من الغزوات تفوق ال360 غزوة بداية من سنة 27 هـ (647) م مع العبادلة السبعة لم يرسلوا فقهاء او دعاة او معلمين يفقهون الشعوب التي يريدون نشر دينهم فيها في لغتهم ودينهم.
لم يكن اهل الشمال الافريقي (ليبيا وافريقية البروقنصلية والجزائر والمغرب) يفهمون لغة الغزاة التي لم تتحول الى لغة رسمية إلا بعد زمن طويل. كانت لغة البلاط هي اللغة الامازيغية المحلية رغم انه وجد من بين امراء هذه الممالك شعراء وخطباء ينظمون ادبهم باللغة العربية في فترة الدولة الفاطمية والصنهاجية والحفصية -- التي مع انها بلغت مقام الخلافة وبايعها اهل الاندلس والجزائر والسودان والحجاز الا ان لغة البلاط فيها كانت الامازيغية الهنتاتية والاسبانية البلنسية--.
تطور اللغة في الشمال الافريقي مر بثلاث مراحل حسبما يذكر عثمان الكعاك
1)
من اوائل القرن الثاني حتى نهاية القرن الثالث هجري كانت كل التصانيف في السير والطبقات باللغة الامازيغية.
2)
من اوائل القرن الرابع وحتى نهاية القرن السادس هجري ومع ظهور الدولة الزيرية بتونس والحمادة بالجزائر وقع الجمع بين اللغتين الامازيغية والعربية في المصنفات.
3)
آخيرا المرحلة العربية بداية من القرن السابع الهجري الموافق للقرن 13 الميلادي حيث صار الكتاب يعتمدون اللغة العربية مع اقحام بعض المصطلحات الامازيغية.
تقول المصادر الاسلامية ان الامازيغ دخلوا في الاسلام افواجا منذ "فتوحات" عقبة ابن نافع (1ق.ه – 63ه) الاولى في عهد معاوية والثانية في عهد ابنه يزيد ثم اسلموا مع كل غزو جديد ولنا ان نسأل هنا كيف تم ذلك واللغة كما رأينا لم تتحول الى عربية في بلاطات الحكام الا في القرن السابع هـ؟
ثم هل الامازيغ الذين تحولوا فجأة الى مسلمين مستعربين مشكلين بذلك معسكرا اسلاميا قويا تولى فتح اسبانيا كانوا يحملون في فتوحاتهم قرآن عثمان ويقرؤونه بالعربية ويؤدون طقوس الصلاة الاسلامية بعربية لم تكن رسمية في بلاط القادة والحكام ولم يكن يستعملها الفقهاء والخطباء في بلاطات الممالك الاسلامية التي قامت على ارض افريقية؟
بما انه لا توجد مصادر اجنبية يمكن ان نستمد منها تاريخ تلك الفترة من تاريخ شمال افريقيا فهل علينا القبول بواقع انها كانت وحشية وعدوانية وبذلك تسقط هالات القداسة الوهمية للاسلام كدين تسامح ومحبة ولمن قام بنشره في البلدان المستعمرة من "فاتحين مجاهدين ابرارا وأتقياء" ام اننا مضطرون لحفظ ماء الوجه في سبيل تنزيه الاسلام وتأكيد صدق تعريف محمود شيت لمنطق الحرب في الإسلام.: " لم يكن المسلمون الطرف الأول الذي يبدأ الهجوم إلا أنهم يحاربون حين إضطروا ذلك من ناحية أخري المسلمون لا يفعلون في حروبهم أعمالاً لا يليق بالشرف الإسلامي والعسكري بل يتبعون المعاهدات ولا يخونونها وينصرون المرضي والمجروحين ويعتنون بان لا يضروا بالأطفال والكهول من المدنيين" للتشكيك بما ورد في النصوص العربية التي الفت في قصور العباسيين في نهاية القرن الثامن والقرن التاسع حسب ما روي مشافهة بما فيه من اسقاطات ومن اعمال للخيال تماما كرويات الف ليلة وليلة وصيغة خطب عصماء نسبت لقادة الغزو الاسلامي وبكرامات كانوا يتمتعون بها والتي جعلت الامازيغ يتبعونهم ويؤمنون بدينهم دون ان يكون هناك أي تواصل لغوي بينهم او تقارب في المعتقدات أو الثقافة ومحاكمة الطبري وابن الاثير وابن عبد الحكم وغيرهم ممن كتب تاريخ الاعمال العسكرية لهؤلاء الغزاة والذين لم يقولوا ابدا ان انتشار الاسلام كان بالكلمة الحسنة والدعوة السلمية بل اغرقوا في تفاصيل مخجلة للسلب والنهب وللسبي وعدد رؤوس العبيد كما لو ان الاقوام الاخرى التي انتهكوها كانت حيوانات؟؟
نحن لا نحارب الاديان بل نسعى الى قراءة تاريخ شعوبنا بحيادية لنتصالح مع الماضي ونقدر ان نستمر في توافق ومواطنة تمنح كل الاطياف حق المشاركة في بناء الوطن مهما اختلفنا بعد اسقاط هالات التقديس لكل قائد يعتبره البعض "رمزا" مر على ارضنا او ساهم في خط تاريخها ونسب هالات قدسية له رغم وضوح فعله الاجرامي في حق الاخرين.
نشر الاسلام في الشمال الافريقي كان عملا استعماريا عنيفا استباح كل القيم الانسانية وعرب بحد السيف اهله ومن حق من يرفضه كعقيدة ان يتمتع بحق المواطنة والمشاركة في القرار. على المتطرفين وأصحاب الرأي الواحد أن يكلفوا انفسهم عناء القراءة قليلا ليطلعوا على تاريخهم المدون في كتبهم وعليهم ان يفهموا أخيرا ان الدين لله وان الوطن للجميع ولا يحق لأي احد تحت اي مسمى ان يفرض عقائده على الاخرين كما حدث قديما بالسيف والنار والسلب والسبي فالإنسانية بلغت حدا من الحضارة والتقدم المعرفي يمكنها من كشف التزوير والمغالطات ويؤمِّن حق الحرية الفردية التي لا يجوز بأي حال وضعها في المرتبة الثانية مقابل الحريات العامة التي تجعل منا قطيع يأتمر بأمر الملالي والفقهاء.
وطننا لنا جميعا مهما كانت قناعتنا الدينية والفكرية ومهما تعددت الوان الطيف التي نشكلها.

دمتم بخير وسلام - See more at: http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=307318#sthash.zp7dp31H.dpuf

 

 

ماريا سامي

الكاتبة ماريا سامي

المصدر

http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=307318

 

رأينا ان ولاية ابو المهاجر بن دينار استمرت في شمال افريقيا (من افريقية الى تلمسان) مدة طويلة من سنة 55 هـ الى 62 هـ. أقام بها دينار ولم يتركها للعودة بعد الغزوة بالغنائم لمقر الحكم الاموى. رغم صمت المراجع الاسلامية عن اغلب اخبار دينار ربما لأنه ليس عربيا ولا صاحبا ولا تابعا بل مجرد مولى لمسلمة بن مخلد وتابع له الا اننا نستشف مما وصلنا من اخبار انه اول من اقام بالشمال المغربي لمدة طويلة مقارنة بمن سبقه وباللاحقين به من الغزاة العرب دون كبير اهتمام بحرب ولا سبي ولا غنائم.
كيف تم التوافق بين دينار والامازيغ الثائرين على الاستعمار البيزنطي والاستعمار العربي ؟
كيف اعتنقت قبائل الامازيغ البترية التي اقام بينها دينار في قيروان عقبة او تيكروان التي تذكرها المصادر العربية والغير البعيدة عن القيروان ثم قبائل البرنس بزعامة اوربة ومن والاها الاسلام في عهد دينار بكل بساطة متخلين عن معتقداتهم (سواء "الوثنية" او التوحيدية اليهودية والمسيحية) التي ثبتوا عليها على مدى قرون بل ومضوا معه في حروبه حتى تلمسان غربا وقرطاجنة شرقا ليحصل بعد معاهدة مع مع اهل قرطاجنة على شبه جزيرة شريك؟
المنطق يحملنا على الاعتقاد انه لم يكن هناك تصادم عقائدي بين القطبين بل توافق مع الحياة الاجتماعية للقبائل البترية الامازيغية ووتوافق سياسي مع البرنس ضد الاستعمار البيزنطي خمد بعد اصلاحات قسنطين الرابع الدينية التي قاربت بين وجهات النظر العقائدية بين القسطنطينية ومستعمراتها وأبرزت حدة الاطماع العربية الاستعمارية بعد عودة عقبة ابن نافع شاهر السلاح وممتهنا كرامة الامازيغ.
المنطق السليم يؤكد ايضا ان سياسة دينار الذي انشأ صلات ولاء مع الامازيغ وصادق كسلية ملك قبائل اوربة ليعم السكون في عهده ادت الى انقطاع المال الوارد الى الفسطاط من افريقية وهو السبب المباشر والمقنع الوحيد في اعادة معاوية لعقبة ابن نافع الذي لم يتبع سياسة سلفه اللينة والتوافقية بل سعى الى اعمال السيف في حروب ابادة كبيرة كاشفا عن الغاية الفعلية من قدومه الى افريقية اذ لما قال له ابو المهاجر نقلا عن رياض النفوس للمالكي "ليس بطنجة عدو لك لأن الناس قد اسلموا وهذا رئيس البلاد فابعث معه واليا ... أبى عقبة إلا ان خرج بنفسه". كلما يمر بمدينة او قرية ويحاربها تذكر المصادر الاسلامية انه يقتل كثيرا ويغنم كثيرا ويمضي وما من تفسير منطقي لإهانته لكسلية إلا التعبير عن احتقاره واستخفافه بالامازيغ كلهم مما أثار قبيلة اوربة وكل من والاها من القبائل الامازيغية الاخرى. لهذا كان قتله من طرف البربر انتقاما لما الحقه بهم من تعد على الكرامة والأرزاق دون اي دخل لدين او معتقد فلم تذكر هذه المصادر انه اقام حلقات تفقيه في الدين ولا اللغة ولا انشأ بيوت عبادة او غير الكنائس الى مساجد لمن معه من مسلمين او لمن اسلم من القبائل التي غزاها.
ككل من سبقه من قادة الغزو العربي الذين تذكرهم المصادر الاسلامية والذين جاؤوا "لنشر" الدين الاسلامي في شمال افريقيا كما يردد كل المدافعين عن هؤلاء الغزاة، بلغ المحيط في حربه ضد الامازيغ كما توضحه الخريطة التالية http://sites.google.com/site/ictroyalluxe/fatharabmaroc1.JPG
دون ان يترك بينهم، ككل من سبقه مدنا اسلامية الطابع، بل ذكرى سيئة لغزو غايته الاساسية السلب والنهب.
حسب كل ما تقدمه المصادر الاسلامية من اخبار لأعمال عقبة ألعسكرية هل كان عقبة ككل من سبقه قائدا يحقق اهداف سادته الاستعمارية دون ان يكون للدين اي تأثير عليه ولا غايته الاساسية التي يسعى الى تحقيقها او كان وليا من اولياء الله الصالحين الراغبين في الاستشهاد في سبيل نشر كلمة ربه كما تصفه المراجع الاسلامية مناقضا بذلك فعله الميداني في غزوه للشمال الافريقي حيث كان يحارب المدن والقرى التي يمر بها فيستلب ويسبى وينهب ثم يمضي في سبيله دون اي تفاعل فعلي مع اهل المدن التي قام بمحاصرتها وقتل رجالها وسبي نساءها وما قاله عنه عبد الله بن عمرو بن العاص لما قدم اليه في مصر " حدثنا عبدالملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن بحير بن ذاخر المعافري قال كنت عند عبدالله بن عمرو بن العاص حين دخل عليه عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهري فقال ما أقدمك يا عقبة فإني أعلمك تحب الإمارة قال فإن أمير المؤمنين يزيد عقد لي على جيش إلى إفريقية" ابن عبد الحكم؟ - See more at: http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=307318#sthash.zp7dp31H.dpuf

 

رأينا ان ولاية ابو المهاجر بن دينار استمرت في شمال افريقيا (من افريقية الى تلمسان) مدة طويلة من سنة 55 هـ الى 62 هـ. أقام بها دينار ولم يتركها للعودة بعد الغزوة بالغنائم لمقر الحكم الاموى. رغم صمت المراجع الاسلامية عن اغلب اخبار دينار ربما لأنه ليس عربيا ولا صاحبا ولا تابعا بل مجرد مولى لمسلمة بن مخلد وتابع له الا اننا نستشف مما وصلنا من اخبار انه اول من اقام بالشمال المغربي لمدة طويلة مقارنة بمن سبقه وباللاحقين به من الغزاة العرب دون كبير اهتمام بحرب ولا سبي ولا غنائم.
كيف تم التوافق بين دينار والامازيغ الثائرين على الاستعمار البيزنطي والاستعمار العربي ؟
كيف اعتنقت قبائل الامازيغ البترية التي اقام بينها دينار في قيروان عقبة او تيكروان التي تذكرها المصادر العربية والغير البعيدة عن القيروان ثم قبائل البرنس بزعامة اوربة ومن والاها الاسلام في عهد دينار بكل بساطة متخلين عن معتقداتهم (سواء "الوثنية" او التوحيدية اليهودية والمسيحية) التي ثبتوا عليها على مدى قرون بل ومضوا معه في حروبه حتى تلمسان غربا وقرطاجنة شرقا ليحصل بعد معاهدة مع مع اهل قرطاجنة على شبه جزيرة شريك؟
المنطق يحملنا على الاعتقاد انه لم يكن هناك تصادم عقائدي بين القطبين بل توافق مع الحياة الاجتماعية للقبائل البترية الامازيغية ووتوافق سياسي مع البرنس ضد الاستعمار البيزنطي خمد بعد اصلاحات قسنطين الرابع الدينية التي قاربت بين وجهات النظر العقائدية بين القسطنطينية ومستعمراتها وأبرزت حدة الاطماع العربية الاستعمارية بعد عودة عقبة ابن نافع شاهر السلاح وممتهنا كرامة الامازيغ.
المنطق السليم يؤكد ايضا ان سياسة دينار الذي انشأ صلات ولاء مع الامازيغ وصادق كسلية ملك قبائل اوربة ليعم السكون في عهده ادت الى انقطاع المال الوارد الى الفسطاط من افريقية وهو السبب المباشر والمقنع الوحيد في اعادة معاوية لعقبة ابن نافع الذي لم يتبع سياسة سلفه اللينة والتوافقية بل سعى الى اعمال السيف في حروب ابادة كبيرة كاشفا عن الغاية الفعلية من قدومه الى افريقية اذ لما قال له ابو المهاجر نقلا عن رياض النفوس للمالكي "ليس بطنجة عدو لك لأن الناس قد اسلموا وهذا رئيس البلاد فابعث معه واليا ... أبى عقبة إلا ان خرج بنفسه". كلما يمر بمدينة او قرية ويحاربها تذكر المصادر الاسلامية انه يقتل كثيرا ويغنم كثيرا ويمضي وما من تفسير منطقي لإهانته لكسلية إلا التعبير عن احتقاره واستخفافه بالامازيغ كلهم مما أثار قبيلة اوربة وكل من والاها من القبائل الامازيغية الاخرى. لهذا كان قتله من طرف البربر انتقاما لما الحقه بهم من تعد على الكرامة والأرزاق دون اي دخل لدين او معتقد فلم تذكر هذه المصادر انه اقام حلقات تفقيه في الدين ولا اللغة ولا انشأ بيوت عبادة او غير الكنائس الى مساجد لمن معه من مسلمين او لمن اسلم من القبائل التي غزاها.
ككل من سبقه من قادة الغزو العربي الذين تذكرهم المصادر الاسلامية والذين جاؤوا "لنشر" الدين الاسلامي في شمال افريقيا كما يردد كل المدافعين عن هؤلاء الغزاة، بلغ المحيط في حربه ضد الامازيغ كما توضحه الخريطة التالية http://sites.google.com/site/ictroyalluxe/fatharabmaroc1.JPG
دون ان يترك بينهم، ككل من سبقه مدنا اسلامية الطابع، بل ذكرى سيئة لغزو غايته الاساسية السلب والنهب.
حسب كل ما تقدمه المصادر الاسلامية من اخبار لأعمال عقبة ألعسكرية هل كان عقبة ككل من سبقه قائدا يحقق اهداف سادته الاستعمارية دون ان يكون للدين اي تأثير عليه ولا غايته الاساسية التي يسعى الى تحقيقها او كان وليا من اولياء الله الصالحين الراغبين في الاستشهاد في سبيل نشر كلمة ربه كما تصفه المراجع الاسلامية مناقضا بذلك فعله الميداني في غزوه للشمال الافريقي حيث كان يحارب المدن والقرى التي يمر بها فيستلب ويسبى وينهب ثم يمضي في سبيله دون اي تفاعل فعلي مع اهل المدن التي قام بمحاصرتها وقتل رجالها وسبي نساءها وما قاله عنه عبد الله بن عمرو بن العاص لما قدم اليه في مصر " حدثنا عبدالملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن بحير بن ذاخر المعافري قال كنت عند عبدالله بن عمرو بن العاص حين دخل عليه عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهري فقال ما أقدمك يا عقبة فإني أعلمك تحب الإمارة قال فإن أمير المؤمنين يزيد عقد لي على جيش إلى إفريقية" ابن عبد الحكم؟ - See more at: http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=307318#sthash.zp7dp31H.dp
رأينا ان ولاية ابو المهاجر بن دينار استمرت في شمال افريقيا (من افريقية الى تلمسان) مدة طويلة من سنة 55 هـ الى 62 هـ. أقام بها دينار ولم يتركها للعودة بعد الغزوة بالغنائم لمقر الحكم الاموى. رغم صمت المراجع الاسلامية عن اغلب اخبار دينار ربما لأنه ليس عربيا ولا صاحبا ولا تابعا بل مجرد مولى لمسلمة بن مخلد وتابع له الا اننا نستشف مما وصلنا من اخبار انه اول من اقام بالشمال المغربي لمدة طويلة مقارنة بمن سبقه وباللاحقين به من الغزاة العرب دون كبير اهتمام بحرب ولا سبي ولا غنائم.
كيف تم التوافق بين دينار والامازيغ الثائرين على الاستعمار البيزنطي والاستعمار العربي ؟
كيف اعتنقت قبائل الامازيغ البترية التي اقام بينها دينار في قيروان عقبة او تيكروان التي تذكرها المصادر العربية والغير البعيدة عن القيروان ثم قبائل البرنس بزعامة اوربة ومن والاها الاسلام في عهد دينار بكل بساطة متخلين عن معتقداتهم (سواء "الوثنية" او التوحيدية اليهودية والمسيحية) التي ثبتوا عليها على مدى قرون بل ومضوا معه في حروبه حتى تلمسان غربا وقرطاجنة شرقا ليحصل بعد معاهدة مع مع اهل قرطاجنة على شبه جزيرة شريك؟
المنطق يحملنا على الاعتقاد انه لم يكن هناك تصادم عقائدي بين القطبين بل توافق مع الحياة الاجتماعية للقبائل البترية الامازيغية ووتوافق سياسي مع البرنس ضد الاستعمار البيزنطي خمد بعد اصلاحات قسنطين الرابع الدينية التي قاربت بين وجهات النظر العقائدية بين القسطنطينية ومستعمراتها وأبرزت حدة الاطماع العربية الاستعمارية بعد عودة عقبة ابن نافع شاهر السلاح وممتهنا كرامة الامازيغ.
المنطق السليم يؤكد ايضا ان سياسة دينار الذي انشأ صلات ولاء مع الامازيغ وصادق كسلية ملك قبائل اوربة ليعم السكون في عهده ادت الى انقطاع المال الوارد الى الفسطاط من افريقية وهو السبب المباشر والمقنع الوحيد في اعادة معاوية لعقبة ابن نافع الذي لم يتبع سياسة سلفه اللينة والتوافقية بل سعى الى اعمال السيف في حروب ابادة كبيرة كاشفا عن الغاية الفعلية من قدومه الى افريقية اذ لما قال له ابو المهاجر نقلا عن رياض النفوس للمالكي "ليس بطنجة عدو لك لأن الناس قد اسلموا وهذا رئيس البلاد فابعث معه واليا ... أبى عقبة إلا ان خرج بنفسه". كلما يمر بمدينة او قرية ويحاربها تذكر المصادر الاسلامية انه يقتل كثيرا ويغنم كثيرا ويمضي وما من تفسير منطقي لإهانته لكسلية إلا التعبير عن احتقاره واستخفافه بالامازيغ كلهم مما أثار قبيلة اوربة وكل من والاها من القبائل الامازيغية الاخرى. لهذا كان قتله من طرف البربر انتقاما لما الحقه بهم من تعد على الكرامة والأرزاق دون اي دخل لدين او معتقد فلم تذكر هذه المصادر انه اقام حلقات تفقيه في الدين ولا اللغة ولا انشأ بيوت عبادة او غير الكنائس الى مساجد لمن معه من مسلمين او لمن اسلم من القبائل التي غزاها.
ككل من سبقه من قادة الغزو العربي الذين تذكرهم المصادر الاسلامية والذين جاؤوا "لنشر" الدين الاسلامي في شمال افريقيا كما يردد كل المدافعين عن هؤلاء الغزاة، بلغ المحيط في حربه ضد الامازيغ كما توضحه الخريطة التالية http://sites.google.com/site/ictroyalluxe/fatharabmaroc1.JPG
دون ان يترك بينهم، ككل من سبقه مدنا اسلامية الطابع، بل ذكرى سيئة لغزو غايته الاساسية السلب والنهب.
حسب كل ما تقدمه المصادر الاسلامية من اخبار لأعمال عقبة ألعسكرية هل كان عقبة ككل من سبقه قائدا يحقق اهداف سادته الاستعمارية دون ان يكون للدين اي تأثير عليه ولا غايته الاساسية التي يسعى الى تحقيقها او كان وليا من اولياء الله الصالحين الراغبين في الاستشهاد في سبيل نشر كلمة ربه كما تصفه المراجع الاسلامية مناقضا بذلك فعله الميداني في غزوه للشمال الافريقي حيث كان يحارب المدن والقرى التي يمر بها فيستلب ويسبى وينهب ثم يمضي في سبيله دون اي تفاعل فعلي مع اهل المدن التي قام بمحاصرتها وقتل رجالها وسبي نساءها وما قاله عنه عبد الله بن عمرو بن العاص لما قدم اليه في مصر " حدثنا عبدالملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن بحير بن ذاخر المعافري قال كنت عند عبدالله بن عمرو بن العاص حين دخل عليه عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهري فقال ما أقدمك يا عقبة فإني أعلمك تحب الإمارة قال فإن أمير المؤمنين يزيد عقد لي على جيش إلى إفريقية" ابن عبد الحكم؟
لن يقدر اي مؤمن بشرعية الجهاد في سبيل الله وضرورة فعل "الفتح الإسلامي لنشر الدين ان يثبت ان عقبة ومن سبقه وقفوا امام الشعوب التي استباحوها باسم الدين عارضين الاسلام او الجزية او الحرب كما يؤكد النص التشريعي الاسلامي لأن كل المراجع تؤكد ان كل ما فعلوه هو الانقضاض على المدن الآمنة ومقاتلتها وجمع اكبر غنيمة ممكنة من مال وعبيد وسبايا ثم الرحيل السريع الى غيرها او التراجع لاستجماع القوى للانقضاض من جديد دون اي تفاعل مع اهل هذه المدن المنكوبة او البقاء فيها لتضميد الجراح بكلمة قدسية تفسر فعلهم الشنيع بعد تحقيق غاية الغزو.
مصرعه في تهودة كان نهاية طبيعية لتجاوزاته وانتهاكه لشعب سالم دينارا لسبع سنوات وساعده لكنه ثار وأبى الانصياع لغطرسة عقبة وامتهانه له وهنا نسأل لماذا لم يسعى جنده الذين سبقوه الى القيروان بمساعدة من كان في افريقية من اتباعه للانتقام له لما طالبهم زهير بن قيس البلوي بذلك؟ هل كان خروجهم السريع، بزعامة حنش الصنعاني قائد دينار على شبه جزيرة شريك الافريقية بين سوسة وتونس وجبل زغوان، لمصر حفاظا على ما جمعوه من غنائم ام لعدم قناعتهم بشرعية قضية قائدهم بعد ان فقدوا معه خلال حروبهم الالاف من رفاقهم دون ان يتركوا اي اثر لهم في اي من المدن التي حاربوها ام بسبب التعب الذي لحق بهم بعد طول طواف على مدن الشمال الافريقي كما تذكر المراجع؟
بعد مقتل عقبة ورحيل جنده لمصر رحل زهير بن قيس البلوي وأقام في برقة (أقام في مصر حسب فتوح مصر لابن عبد الحكم الى ان امره عبد العزيز بن مروان بالذهاب لحرب الروم الذين هاجموا برقة "وانزلوا بها من الفساد شيئا كثيرا") في حين استرجع الامازيغ ارضهم و صارت القيروان عاصمة ملك كسيلة الذي استمرت فترة حكمه لافريقية ونوميديا خمس سنوات اسس خلالها مملكة امازيغية تشمل الاوراس والجزء الجنوبي من قسنطينة والجزء الاكبر من افريقية..
سلوك كسيلة ازاء أسرى تهودة ومن بقي من اتباع عقبة وزهير بن قيس في القيروان يبرز طبيعة طبيعة الامازيغ المسالمة ورغبتهم في اعادة الامن والسلام لموطنهم، فهم قد ساندوا ابا المهاجر دينار كما فعلوا مع الفنيقيين قديما ومع الونداليين ضد روما التي كانت بعض قبائلهم المستقلة والتي رفضت الرومنة ورحلت الى المناطق الداخلية لما سلبت مراعيها ومزارعها تتربص بحامياتها ومدنها الافريقية فيهاجمونها انتقاما ودفاعا عن بلادهم كلما سنحت لهم الفرصة لذلك، رغم ان روما لم تستعبدهم بل منحت من والاها منهم امكانية ان يكون امبراطورا في بلاط روما مركز الحكم.
باستثناء مساندتهم لدينار وقفوا بشراسة امام الغزو العربي في كل مراحله السابقة واللاحقة لأنه انتهك حرماتهم وسلب ارزاقهم وهدد امنهم. لكن ما ان حرروا بلادهم من التواجد العسكري العربي برحيل زهير ومقتل عقبة وبدل الانتقام من الاعداء وأنصارهم بعد النصر الكبير الذي حققه، اطلق كسيلة محمد بن أوس الانصاري وبقية أسرى تهودة بناء على طلب صاحب قفصة كما أمّن من بقي من الموالين لعقبة في القيروان في حين كان قادرا على تصفيتهم نظرا لعدد من كان معه من الموالين له ومن انصاره من الروم. نقرا في نهاية الأرب في فنون الأدب.. النويري وابن الاثير اسد الغابة الجزء الرابع."وأما كسيلة فاجتمع إليه جمع كبير فقصد القيروان وبها أصحاب الأثقال والذراري من المسلمين. فطلبوا الأمان من كسيلة فأمنّهم. ودخل القيروان واستولى على إفريقية. وأقام بها إلى أن قوي أمر عبد الملك بن مروان."
لما نقرأ في بعض المصادر التي تمتدح قادة الغزو العربي مؤكدة انهم كانوا ينهلون من معين النص التشريعي الاسلامي السمح نسأل مما كان ينهل كسيلة الامازيغي المرتد كما تصفه المصادر الاسلامية؟
لكن لأن البقاء للأقوى استقلال افريقية لم يدم طويلا اذ ما ان أخمد عبد الملك بن مروان الاضطرابات الداخلية حتى ارسل زهيرا (69هـ/689م) للانتقام لمقتل قائده عقبة وإعادة احتلال شمال افريقيا.
في نهاية الارب نقرأ " فلما وصل ذلك إليه أقبل إلى إفريقية في عسكر عظيم وذلك في سنة تسع وستين. فبلغ خبره كسيلة فجمع البربر وتحول عن القيروان إلى ممش. وجاء زهير فأقام بظاهر القيروان ثلاثة أيام حتى استراح وأراح. ثم رحل إلى كسيلة. والتقيا واشتد القتال وكثر القتل في الفريقين. فأجلت الحرب عن قتل كسيلة وجماعة من أصحابه. وانهزم من بقي منهم. فتبعهم الجيش فقتلوا من أدركوه."
ساعد زهير في معركته مع كسيلة ومن والاه من القبائل الامازغية من جهة نقض الروم لعهدهم للقائد الامازيغي لأنهم ارادوا ان يتخلصوا من احدهم ليسهل عليهم محاربة الثاني وبذلك يسترجعون سلطانهم على افريقية حسب ما اورده المالكي في رياض النفوس ومن جهة أخرى مساندة بعض القبائل المحلية التي وجدت في العرب نصيرا لها ضد الروم والقبائل المسيحية كما وجدت ان مشاركتها لهم تمتعها بالاشتراك في الاسلاب. مما يعني ان الدافع لم يكن اعتناقهم الاسلام بقدر ما هو الرغبة في الكسب المادي عبر الاشتراك في الحروب والأسلاب الى جانب العداء للمستعمر القديم الموالي لكسيله الذي كان مسيحيا وعلى صلة ولاء مع روم بيزنطة.
بعد مقتل كسيلة والقضاء على مقاومة البرنس نهائيا بقتل كل من فر منهم الى الجبال طلبا للنجاة عاد زهير الى برقة لمحاربة الروم الذين يترصدون به هناك. نجد في تاريخ البلاذري " فتح تونس ثم انصرف إلى برقة‏...‏ فبلغه أن جماعة من الروم خرجوا من مراكب لهم فعاثوا فتوجه إليهم في جريدة خيلٍ فلقيهم فاستشهد ومن معه."
فهل كان قدوم زهير الى افريقية للقضاء على ثورة الامازيغ بزعامة كسيلة فتحا مبينا غايته نشر الاسلام أم كان مجرد حملة انتقام لمقتل عقبة انسحب على اثرها زهير الى برقة دون ان يترك أي اثر له بافريقية ودون ان يكون فيها وال لحاكم مصر او القصر الاموي الحاكم في الفسطاط لانشغال عبد الملك بثورة الزبيريين؟
هل انسحاب زهير من افريقية كان نتيجة خوفه من تاثير بذخ العيش في افريقية على الرجل المجاهد الورع الذي كانه حسب تعليل المصادر الاسلامية وهو تعليل ضعيف اذ ان افريقية كانت دار حرب انعدم فيها الامان وبالتالي الرخاء الاقتصادي ثم ان القائد الورع يرابط على ابواب دار الحرب لنشر الدين فيها ولا يتركها للمدن الكبيرة حيث رفاهة العيش الفعلية، ام انه كان عزلا من طرف والي مصر عبد العزيز بن مروان الذي تذكر المصادر الاسلامية عداءه الكبير له وخلافة معه، ام انه كان في الحقيقة نتيجة الخوف من ثورة أمازيغية اخرى يمكن ان تقضي عليه كما حصل مع قائده عقبة فآثر السلامة والانسحاب لبرقة لأنه يعلم ان ما قام به كان له اثر سيء وعدواني في نفوس عموم الامازيغ ولأنه يعلم ايضا ان فعله العسكري في الشمال الافريقي -ان صح فعلا ما نقله كتبة السير والتاريخ العربي في القصر العباسي في نهاية القرن الثامن والقرن التاسع- لا علاقة له بنشر وهداية الكفار لدين تقول المصادر الاسلامية انه حارب تحت رايته بل كان توسعا استعماريا لصالح ملك لم تتعرب الدواوين إلا في عصره والتي تحمل اسمه ورسوما او احرفا تشير الى المسيح ولا تذكر لا الاسلام ولا المسلمين ، ملك لم يترك دليلا على وجود اسلام في عصره، بنى قبة الصخرة على شكل معبد النار المجوسي ووضع كتابات تمجد المسيح الذي يلقب باسم محمد رسول الله والتي مُحيت وغُيرت بعده بقرنين مزاوجا بين معتقداته اليهو-مسيحية والزرادشتية الفارسية التي نجد تأثيرها الكبير على جملة العبادات الاسلامية؟
توقف احتلال افريقية الى ان قضى عبد الملك على "عبد الله بن الزبير، فلما قتل ابن الزبير جهز عبد الملك حسان ابن النعمان إليها" في حملته الاولى -نهاية الارب- لكن حربه ضد الكاهنة لم تُثمر نصرا للعرب اذ تغلبت عليه وهزمته وتتبعه جيشها حتى اخرجوهم من " من عمل قابس ولحق حسان بعمل طرابلس " ابن خلدون المجلد 5 ص 128
ثورة الامازيغ ضد المستعمرين الجدد لم تتوقف اذ تذكر ذات النصوص العربية القديمة الكاهنة القائدة الامازيغية البترية بعد افول قوة البرنس التي جمعت من بقي ثائرا من بينهم ودافعت عن ارض اجدادها الى ان ماتت في سبيل تحريرها.
يسميها العرب حارقة البيوت المشعوذة لأنها رفضت الانصياع للغزو العربي للشمال الافريقي وواجهته بإصرار واعتمدت سياسة الارض المحروقة التي اثارت عليها الموالين للعرب من القبائل الامازيغية في افريقية وهي الحادثة التي يذكرها النويري في نهاية الارب فيقول أن الكاهنة قالت لقومها: " إن العرب يريدون البلاد والذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعي، ولا أرى إلا خراب إفريقية حتى ييأسوا منها. وفرقت أصحابها ليخربوا البلاد فخربوها، وهدموا الحصون، وقطعوا الأشجار ونهبوا الأموال. قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: وكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلاً واحداً وقرى متصلة، فأخربت ذلك. فلما قرب حسان من البلاد، لقيه جمع من أهلها من الروم يستغيثون به من الكاهنة. فسره ذلك. وسار إلى قابس. فلقيه أهلها بالأموال والطاعة، وكانوا قبل ذلك يتحصنون من الأمراء. فجعل فيها غلاماً وسار على قفصة فأطاعه من بها واستولى عليها وعلى قسطيلية ونفزاوة."
خلفت داهيا/الكاهنة، قائدة قبيلة الجراوة اليهودية كما يقول ابن خلدون، كسيلة في زعامة الامازيغ وحربهم لتحرير ارضهم وصون كرامة قبائلها. انظم اليها الامازيغ البرنس والبتر الثائرين على الغزو العربي الاستعماري " وقد ضوي إليها بنو يفرن ومن كان بإفريقية من قبائل زناتة وسائر البتر " فتمكنت من بسط نفوذها على افريقية ونوميديا والانتصار على حسان بن نعمان من سنة 69 هـ حتى مقتلها في جبال الأوراس سنة 83هـ/701م والتي يقول ابن الاثير في تاريخه الكامل المجلد الرابع صفحة 471 حول قوة نفوذها ومكانتها: " وقد اجتمع حولها البربر بعد قتل كسيلة، فسأل أهل افريقية عليها فعظموا محلها وقالوا: إن قتلتها لم تختلف البربر بعدها عليك".
المثير ان الكاهنة تماما ككسيلة بعد هزيمة حسان وفراره الى برقة لم تقتل من بقي من انصاره ولما دخلت القيروان لم تلحق أي ضرر بها ولا بمتساكنيها لنسأل ثانية من أي معين كانت الكاهنة تستمد التسامح والرحمة مع المخالفين لها وأنصار اعداءها بل وأعداءها ذاتهم حيث اطلقت سراح اسراها من العرب الغزاة وتبنت احدهم. ذكرهم ابن الاثير في ذات ألصفحة : " فالتقوا على (نهر نيني) واقتتلوا أشد قتال رآه الناس فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير وانهزم حسان وأسر منهم جماعة كثيرة أطلقتهم الكاهنة سوى خالد ابن يزيد القيسي وكان شريفا شجاعا فاتخذته ولدا "؟

لتحقيق غايات بعثته منح عبد الملك حسانا مال مصر المستعمرة العربية والتي قال فيها عمر بن الخطاب "أخرب الله مصر في عمار المدينة وصلاحها" لا مالا من خزينة دولته قائلا له حسب ما ورد في نهاية الارب (416/6) : "إني قد أطلقت يدك في أموال مصر، فاعط من معك ومن ورد عليك من الناس، واخرج إلى جهاد إفريقية على بركة الله" ونقرأ عن ابن الأثير في تاريخه الكامل: إنه استعمله في سنة أربع وسبعين بعد مقتل عبد الله بن الزبير(عند ابن عبد الحكم سنة 73هـ). وقال ابن الرّقيق إنه ندبه إلى إفريقية في سنة تسع وستين. قال: فدخل إفريقية بجيش عظيم ما دخلها مثله قط. فدخل القيروان وتجهز منها إلى قرطاجنّة."
على نقيض سلوك الكاهنة مع الامازيغ الموالين للعرب ومن بقي من العرب بالقيروان، في عمله العسكري في افريقية لم يشذ حسان عن سيرة من سبقه من قادة. نقرا في نهاية الارب أنه "لما دخل حسان إلى القيروان سأل عن أعظم ملك بقي بإفريقية. فقيل له: صاحب قرطاجنة، وهي بلدة عظيمة، ولم تفتح بعد، ولا قدر عليها عقبة. فسار إليها. وقاتل من بها من الروم والبربر أشد قتال. فانهزموا وركبوا في البحر. وسار بعضهم إلى صقلية وبعضهم إلى الأندلس ودخل حسان قرطاجنة بالسيف فقتل وسبي ونهب. وأرسل الجيوش إلى ما حولها. ثم أمر بهدمها فهدم المسلمون منها ما أمكنهم. ثم بلغه أن الروم والبربر قد اجتمعوا في صطفورة وبنزرت. فسار إليهم وقاتلهم، فهزمهم وأكثر القتل فيهم واستولى المسلمون على بلادهم. ولم يترك موضعاً منها حتى وطئه. فخافه أهل إفريقية خوفاً شديداً. ولجأ المهزمون من الروم إلى مدينة باجة فتحصنوا بها وتحصن البربر بمدينة بونة. وعاد حسان إلى القيروان فأقام بها حتى أراح واستراح."
لم يعرض حسان كمن سبقه الاسلام او الجزية او الحرب بل سارع الى اعمال السيف والقتل في سبيل السلب والنهب ويؤكد ذلك البلاذري بقوله " إن حسان غزاها ثانية فقتلها وسبى سباً من البربر، وبعث به إلى عبد العزيز. فكان أبو محجن نصب الشاعر يقول: "لقد حضرت عند عبد العزيز سبياً من البربر ما رأيت قط وجوهاً أحسن من وجوهم"
بعد القضاء على ثورة الكاهنة "بطل النزاع واستقامت إفريقية له". ولما عزله عبد العزيز بن مروان قدم اليه وأهداه " مائتي جارية ووصيف من خيار ما كان معه ويقال: إن حسان كان معه من السبي خمسة وثلاثون ألف رأس " فهل هذا العدد من "الرؤوس" ينضوي ضمن نشر الدعوة الدينية ام العمل العسكري الاستعماري التوسعي؟
ثم تذكر المصادر انه لما قدم بين يدي الخليفة الوليد قال لمن معه :" ائتوني بالقرب. فأتي بها فأفرغها بين يدي الوليد. فرأى ما أذهله من أصناف الجوهر واللؤلؤ والذهب. فقال حسان: يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهداً في سبيل الله، ولم أخن الله تعالى ولا الخليفة" لنسأل آن لم يخالف حسان امر الله فمن اين اتى بكل هذه الغنائم؟ أليست اسلابا من افريقية ونوميديا اخذها عنوة من اهلها تحت حد السيف؟ ام انه علينا القبول بأنه يحق في جهاد الطلب كل تجاوز وكل تعد دون أي اعتراف بوحشية المجاهد لأن الاخر المسلوب ليس سوى كافرا مخالفا لشرع اله الخليفة يمكن امتهانه والتعدي عليه دون أية ضوابط اخلاقية؟
ما قدمه حسان للوليد دفع هذا الاخير ليطلب من قائده، الذي قدم غنيمة مذهلة لم يكن يتوقعها، العودة لنهب وسلب أكبر وأمام رفضه كلف موسى بن نصير ملك السبي في التاريخ العربي بالرحيل للشمال الافريقي لفتح البلاد المفتوحة (تونس التي كان قد وقع فتحها مرار قبل زهير بن قيس)؟
هل فتح البلاد المفتوحة شرعي وموافق للنص القرآني الذي يقول " فإن جنحوا للسلم فاجنح لها" "لآ ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم و تقسطوا اليهم." وقد رأينا ان اهل افريقية قبلوا بحسان ومنحوه مالهم لمحاربة الكاهنة واستقام له الامر بينهم وترك بينهم بعد عزله "ابا صالح" خليفة له فعزله موسى بن نصير سنة 83هـ الذي صارت في عهده افريقية ولاية مستقلة عن مصر استمر حكمه لها لسنة 95(هـ)؟
عند قدومه " بلغه أن بأطراف إفريقية قوماً خارجين عن الطاعة. فوجه إليهم ابنه عبد الله فقاتلهم وظفر بهم. وأتاه بمائة ألف رأس من سبيهم. ثم وجه ولده مروان إلى جهة أخرى، فأتاه بمائة ألف رأس. ثم توجه هو بنفسه إلى جهة أخرى فأتي بمائة ألف رأس. قال الليث بن سعد: فبلغ الخمس يومئذ ستين ألف رأس ولم يسمع بمثل هذا في الإسلام." نهاية الارب.
وفي فتوح مصر:" حدثنا عبدالملك بن مسلمة حدثنا الليث بن سعد أن موسى بن نصير حين غزا بعث ابنه مروان عل جيش فأصاب من السبي مائة ألف وبعث ابن أخيه في جيش أخر فأصاب مائة ألف فقيل لليث بن سعد من هم فقال البربر فلما أتى كتابه بذلك قال الناس ابن نصير والله أحمق من أين له عشرون ألفا يبعث بها إلى أمير المؤمنين في الخمس فبلغ ذلك موسى بن نصير فقال ليبعثوا من يقبض لهم عشرين ألفا"
وكان موسى قد سن قانونا حربيا سبقه اليه حسان بن نعمان يتمثل في اخذ رهائن بشرية ممن يسالمونه يقوم بقتلهم لو خرجوا من طاعته فنقرا عن ابن عذارى :" إلى قبائل من البربر فلم يلق حرباً منهم فرغبوا في الصلح منه فوجه رؤساءهم إلى موسى بن نصير فقبض رهونهم... لما حمل أبو مدرك زرعة بن أبي زرعة رهائن المصامدة جمعهم موسى مع رهائن البربر الذين أخذهم إلى أفريقية والمغرب" فهل هذا الرهن من بين اسس نشر الدين بين الامازيغ قام به مجاهد في سبيل ربه تقي وورع؟
ويقول ابن قتيبة الدينوري المتوفي سنة 276 هـ في كتابه :الامامة والسياسة في فتح زغوان " فوجه لهم موسى خمس مئة فارس عليهم رجل من خشين يقال له عبد الملك فقاتلهم فهزمهم الله و قتل صاحبهم ورقطان ,و فتحها الله على يد موسى ,فبلغ السبي يومئذ عشرة آلاف رأس ,وانه كان أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى ,ثم وجه ابنا له يقال له :عبد الرحمن بن موسى الى بعض نواحيها فأتاه بمئة ألف رأس ثم وجه ابنا له يقال له مروان فاتاه بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين ألف رأس"
ويقول ايضا في سبي موسى ابن نصير " قال : و ذكروا أن موسى بن نصير كتب الى عبد العزيز بن مروان بمصر يخبره بالذي فتح الله عليه ,وأمكن له , و يعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا و كان ذلك وهما من الكاتب ,فلما قرأ عبد العزيز الكتاب ,دعا الكاتب و قال له :ويحك !اقرا هذاالكتاب ,فلما قرأه قال هذا وهم من الكاتب فراجعه فكتب آليه عبد العزيز :انه بلغني كتابك و تذكر فيه أن قد بلغ خمس ما أفاه الله عليك ثلاثين ألف رأس ,فاستكثرت ذلك , وظننت أن ذلك وهم من الكاتب ,فاكتب الي بعد ذلك على حقيقة ,واحذر الوهم ,فلما قدم الكتاب على موسى كتب اليه بلغني أن الأمير أبقاه الله يذكر أنه استكثر ما جاءه من العدة,التي أفاه الله علي ,و أنه ظن أن ذلك وهم من الكاتب,فقد كان ذلك وهما على ما ظنه الأمير , الخمس أيها الأمير ستون ألفا حقا ثابتا بلا وهم .قال :فلما أتى الكتاب الى عبد العزيز و قرأه ملأه سرورا."
ويقول في سبي هوارة و زناتة و كتامة " وذكروا أن موسى أرسل عياش بن أخيل الى هوارة و زناتة في الف فارس فأغار عليهم و قتلهم و سباهم ,فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس و كان عليهم رجل منهم يقال له كمامون فبعث به موى الى عبد العزيز في وجوه الأسرى,فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة فسميت بركة كمامون"

لماذا اهملت كل النصوص العربية ان تذكر انه دعى الى الاسلام بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة قبل كل حرب يشنها في حين تذكر بالتفصيل السبي والنهب وعدد الرؤوس المجموعة كما لو ان ما تقدمه هو سيرة مافيا منظمة وقطاع طرق بعد ان يضمنوا خضوع الجماعة المنهزمة لهم يضعون من يعلمهم عقائدهم كواجب عسكري لا دعوي عقائدي سلمي في عدد ضئيل جدا بالمقارنة مع عدد القبائل والمدن المنتهكة والمسلوبة حيث نقرأ في نهاية الارب:"ترك موسى بن نصير سبعة عشر رجلاً من العرب يعلمونهم القرآن وشرائع الإسلام ثم اية شرائع هذه التي سيعلمها الغازي المنتصر لشعب مستعمر ومهان سبيت نساءه وجرد من ثرواته؟
في فتوح مصر وأخبارها تصدمنا الكلمات المستعملة ك" وطئ وسبى وغنم و بث السرايا" لذكر عدوانية موسى في انتهاكه للقبائل المهزومة. لما نقرا :"أن موسى بن نصير خرج من أفريقية غازيا إلى طنجة وهو أول من نزل طنجة من الولاة وبها من البربر بطون من البتر والبرانس ممن لم يكن دخل في الطاعة فلما دنا من طنجة بث السرايا فانتهت خيله إلى السوس الأدنى فوطئهم وسباهم وأدوا إليه الطاعة وولى عليهم واليا أحسن فيهم السيرة ووجه بسر بن أبي أرطأة إلى قلعة من مدينة القيروان على ثلاثة أيام فافتتحها وسبى الذرية وغنم الأموال" ألا نلاحظ ان الغاية الفعلية كانت الاستعمار وفرض الطاعة عبر الانتهاك المادي والجسدي للشعوب المسلوبة؟
هل يمكن اعتبار غزو موسى بن نصير للشمال المغربي فتحا مبينا وقد كان يأخذهم على حين غرة وهم لا يشعرون بمقدمه فيقتل ويسبي وهل نشر الدين يكون بالهجوم الفجائي على المدن الامنة لكي نجعل من فعله الاجرامي عملا دعويا غايته نشر الدين :"وذكروا أن الجواسيس أتوا موسى، فقالوا له: إن صنهاجة بغرة منهم وغفلة، وإن إبلهم تنتج، ولا يستطيعون براحا، فأغار عليهم موسى بأربعة آلاف من أهل الديوان، وألفين من المتطوعة، ومن قبائل البربر، وخلف عياشا على أثقال المسلمين وعيالهم بظبية في ألفي فارس، وعلى مقدمة موسى عياض بن عقبة، وعلى ميمنته المغيرة بن أبي بردة، وعلى ميسرته زرعة بن أبي مدرك، فسار موسى حتى غشي صنهاجة، ومن كان معها من قبائل البربر، وهم لا يشعرون، فقتلهم قتل الفناء، فبلغ سبيهم يومئذ مئة ألف رأس، ومن الإبل والبقر والغنم والخيل والحرث والثياب ما لا يحصى، ثم انصرف قافلا إلى القيروان، وهذا كله في سنة ثمانين فلما سمعت الأجناد بما فتح الله على موسى وما أصاب معه المسلمون من الغنائم رغبوا في الخروج إلى الغرب، فخرج نحو مما كان معه، فالتقى المغيرة وصنهاجة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الله منحه أكتافهم وهزمهم، فبلغ سبيهم ستين ألف رأس ثم انصرف قافلا"ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة ، باب موسى بن نصير؟
بماذا نفسر الفعل العسكري لموسى ابن نصير الذي كان "إذا سار إلى مكان تحمل الأموال معه على العجل لكثرتها وعجز الدواب عنها" (البداية والنهاية) والذي عاد لأفريقية بعد غزو فاندالوسيا/ اسبانيا"وهو راكب على بغل اسمه كوكب وهو يجر الدنيا بين يديه جرا، أمر بالعجل تجر أوقار الذهب والجواهر والتيجان والثياب الفاخرة ومائدة سليمان، ثم استخلف ولده بإفريقية، وأخذ معه مائة من رؤوس البربر، ومائة وعشرين من الملوك وأولادهم، وقدم مصر في أبهة عظيمة" تاريخ الإسلام - الذهبي - ج ٦ - الصفحة ٤٨٧؟؟
وبما نفسر ما قام به رجاله الذين ارسلهم الى جزيرة سردانية حيث "كان بعضهم يذبح الهرّ، ويرمي ما في جوفه، ويملأه دنانير، ويخيط عليها، ويلقيه في الطريق. فإذا خرج أخذه. وكان يضع قائم سيفه على الجفن ويملأه ذهباً. فلما ركبوا في البحر سمعوا قائلاً يقول: اللهم غرّقهم. فغرقوا عن آخرهم" وكيف يستجيب هذا الاله الذي دعاه اهل سردانية فيغرق الغزاة العرب الذين قدموا لإعلاء رايته ونشر دينه؟

هل يمكن القبول بعمل موسى العسكري في افريقية كفعل فتح ديني مبين لبلاد مفتوحة ام غزو همجي استعماري لجمع اكبر عدد ممكن من الثروات والعبيد والسبايا في بلدان كانت لها حضاراتها ولغاتها الخاصة التي تختلف جذريا عن العربية؟
لما دخل العرب مصرا سنة 18 و 19 هـ (640م- 639م) وحتى السيطرة عليها بالكامل سنة 642م لم يكن بين ايديهم كتاب مقدس ولم يكن الاقباط ومن استوطن مصر من الرومان يفقهون اللغة العربية ثم لما استتب لهم الامر في مصر وانطلقوا الى افريقية (تونس) في عدد كبير من الغزوات تفوق ال360 غزوة بداية من سنة 27 هـ (647) م مع العبادلة السبعة لم يرسلوا فقهاء او دعاة او معلمين يفقهون الشعوب التي يريدون نشر دينهم فيها في لغتهم ودينهم.
لم يكن اهل الشمال الافريقي (ليبيا وافريقية البروقنصلية والجزائر والمغرب) يفهمون لغة الغزاة التي لم تتحول الى لغة رسمية إلا بعد زمن طويل. كانت لغة البلاط هي اللغة الامازيغية المحلية رغم انه وجد من بين امراء هذه الممالك شعراء وخطباء ينظمون ادبهم باللغة العربية في فترة الدولة الفاطمية والصنهاجية والحفصية -- التي مع انها بلغت مقام الخلافة وبايعها اهل الاندلس والجزائر والسودان والحجاز الا ان لغة البلاط فيها كانت الامازيغية الهنتاتية والاسبانية البلنسية--.
تطور اللغة في الشمال الافريقي مر بثلاث مراحل حسبما يذكر عثمان الكعاك
1) من اوائل القرن الثاني حتى نهاية القرن الثالث هجري كانت كل التصانيف في السير والطبقات باللغة الامازيغية.
2) من اوائل القرن الرابع وحتى نهاية القرن السادس هجري ومع ظهور الدولة الزيرية بتونس والحمادة بالجزائر وقع الجمع بين اللغتين الامازيغية والعربية في المصنفات.
3) آخيرا المرحلة العربية بداية من القرن السابع الهجري الموافق للقرن 13 الميلادي حيث صار الكتاب يعتمدون اللغة العربية مع اقحام بعض المصطلحات الامازيغية.
تقول المصادر الاسلامية ان الامازيغ دخلوا في الاسلام افواجا منذ "فتوحات" عقبة ابن نافع (1ق.ه – 63ه) الاولى في عهد معاوية والثانية في عهد ابنه يزيد ثم اسلموا مع كل غزو جديد ولنا ان نسأل هنا كيف تم ذلك واللغة كما رأينا لم تتحول الى عربية في بلاطات الحكام الا في القرن السابع هـ؟
ثم هل الامازيغ الذين تحولوا فجأة الى مسلمين مستعربين مشكلين بذلك معسكرا اسلاميا قويا تولى فتح اسبانيا كانوا يحملون في فتوحاتهم قرآن عثمان ويقرؤونه بالعربية ويؤدون طقوس الصلاة الاسلامية بعربية لم تكن رسمية في بلاط القادة والحكام ولم يكن يستعملها الفقهاء والخطباء في بلاطات الممالك الاسلامية التي قامت على ارض افريقية؟
بما انه لا توجد مصادر اجنبية يمكن ان نستمد منها تاريخ تلك الفترة من تاريخ شمال افريقيا فهل علينا القبول بواقع انها كانت وحشية وعدوانية وبذلك تسقط هالات القداسة الوهمية للاسلام كدين تسامح ومحبة ولمن قام بنشره في البلدان المستعمرة من "فاتحين مجاهدين ابرارا وأتقياء" ام اننا مضطرون لحفظ ماء الوجه في سبيل تنزيه الاسلام وتأكيد صدق تعريف محمود شيت لمنطق الحرب في الإسلام.: " لم يكن المسلمون الطرف الأول الذي يبدأ الهجوم إلا أنهم يحاربون حين إضطروا ذلك من ناحية أخري المسلمون لا يفعلون في حروبهم أعمالاً لا يليق بالشرف الإسلامي والعسكري بل يتبعون المعاهدات ولا يخونونها وينصرون المرضي والمجروحين ويعتنون بان لا يضروا بالأطفال والكهول من المدنيين" للتشكيك بما ورد في النصوص العربية التي الفت في قصور العباسيين في نهاية القرن الثامن والقرن التاسع حسب ما روي مشافهة بما فيه من اسقاطات ومن اعمال للخيال تماما كرويات الف ليلة وليلة وصيغة خطب عصماء نسبت لقادة الغزو الاسلامي وبكرامات كانوا يتمتعون بها والتي جعلت الامازيغ يتبعونهم ويؤمنون بدينهم دون ان يكون هناك أي تواصل لغوي بينهم او تقارب في المعتقدات أو الثقافة ومحاكمة الطبري وابن الاثير وابن عبد الحكم وغيرهم ممن كتب تاريخ الاعمال العسكرية لهؤلاء الغزاة والذين لم يقولوا ابدا ان انتشار الاسلام كان بالكلمة الحسنة والدعوة السلمية بل اغرقوا في تفاصيل مخجلة للسلب والنهب وللسبي وعدد رؤوس العبيد كما لو ان الاقوام الاخرى التي انتهكوها كانت حيوانات؟؟
نحن لا نحارب الاديان بل نسعى الى قراءة تاريخ شعوبنا بحيادية لنتصالح مع الماضي ونقدر ان نستمر في توافق ومواطنة تمنح كل الاطياف حق المشاركة في بناء الوطن مهما اختلفنا بعد اسقاط هالات التقديس لكل قائد يعتبره البعض "رمزا" مر على ارضنا او ساهم في خط تاريخها ونسب هالات قدسية له رغم وضوح فعله الاجرامي في حق الاخرين.
نشر الاسلام في الشمال الافريقي كان عملا استعماريا عنيفا استباح كل القيم الانسانية وعرب بحد السيف اهله ومن حق من يرفضه كعقيدة ان يتمتع بحق المواطنة والمشاركة في القرار. على المتطرفين وأصحاب الرأي الواحد أن يكلفوا انفسهم عناء القراءة قليلا ليطلعوا على تاريخهم المدون في كتبهم وعليهم ان يفهموا أخيرا ان الدين لله وان الوطن للجميع ولا يحق لأي احد تحت اي مسمى ان يفرض عقائده على الاخرين كما حدث قديما بالسيف والنار والسلب والسبي فالإنسانية بلغت حدا من الحضارة والتقدم المعرفي يمكنها من كشف التزوير والمغالطات ويؤمِّن حق الحرية الفردية التي لا يجوز بأي حال وضعها في المرتبة الثانية مقابل الحريات العامة التي تجعل منا قطيع يأتمر بأمر الملالي والفقهاء.
وطننا لنا جميعا مهما كانت قناعتنا الدينية والفكرية ومهما تعددت الوان الطيف التي نشكلها.

دمتم بخير وسلام - See more at: http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=307318#sthash.zp7dp31H.dpuf
رأينا ان ولاية ابو المهاجر بن دينار استمرت في شمال افريقيا (من افريقية الى تلمسان) مدة طويلة من سنة 55 هـ الى 62 هـ. أقام بها دينار ولم يتركها للعودة بعد الغزوة بالغنائم لمقر الحكم الاموى. رغم صمت المراجع الاسلامية عن اغلب اخبار دينار ربما لأنه ليس عربيا ولا صاحبا ولا تابعا بل مجرد مولى لمسلمة بن مخلد وتابع له الا اننا نستشف مما وصلنا من اخبار انه اول من اقام بالشمال المغربي لمدة طويلة مقارنة بمن سبقه وباللاحقين به من الغزاة العرب دون كبير اهتمام بحرب ولا سبي ولا غنائم.
كيف تم التوافق بين دينار والامازيغ الثائرين على الاستعمار البيزنطي والاستعمار العربي ؟
كيف اعتنقت قبائل الامازيغ البترية التي اقام بينها دينار في قيروان عقبة او تيكروان التي تذكرها المصادر العربية والغير البعيدة عن القيروان ثم قبائل البرنس بزعامة اوربة ومن والاها الاسلام في عهد دينار بكل بساطة متخلين عن معتقداتهم (سواء "الوثنية" او التوحيدية اليهودية والمسيحية) التي ثبتوا عليها على مدى قرون بل ومضوا معه في حروبه حتى تلمسان غربا وقرطاجنة شرقا ليحصل بعد معاهدة مع مع اهل قرطاجنة على شبه جزيرة شريك؟
المنطق يحملنا على الاعتقاد انه لم يكن هناك تصادم عقائدي بين القطبين بل توافق مع الحياة الاجتماعية للقبائل البترية الامازيغية ووتوافق سياسي مع البرنس ضد الاستعمار البيزنطي خمد بعد اصلاحات قسنطين الرابع الدينية التي قاربت بين وجهات النظر العقائدية بين القسطنطينية ومستعمراتها وأبرزت حدة الاطماع العربية الاستعمارية بعد عودة عقبة ابن نافع شاهر السلاح وممتهنا كرامة الامازيغ.
المنطق السليم يؤكد ايضا ان سياسة دينار الذي انشأ صلات ولاء مع الامازيغ وصادق كسلية ملك قبائل اوربة ليعم السكون في عهده ادت الى انقطاع المال الوارد الى الفسطاط من افريقية وهو السبب المباشر والمقنع الوحيد في اعادة معاوية لعقبة ابن نافع الذي لم يتبع سياسة سلفه اللينة والتوافقية بل سعى الى اعمال السيف في حروب ابادة كبيرة كاشفا عن الغاية الفعلية من قدومه الى افريقية اذ لما قال له ابو المهاجر نقلا عن رياض النفوس للمالكي "ليس بطنجة عدو لك لأن الناس قد اسلموا وهذا رئيس البلاد فابعث معه واليا ... أبى عقبة إلا ان خرج بنفسه". كلما يمر بمدينة او قرية ويحاربها تذكر المصادر الاسلامية انه يقتل كثيرا ويغنم كثيرا ويمضي وما من تفسير منطقي لإهانته لكسلية إلا التعبير عن احتقاره واستخفافه بالامازيغ كلهم مما أثار قبيلة اوربة وكل من والاها من القبائل الامازيغية الاخرى. لهذا كان قتله من طرف البربر انتقاما لما الحقه بهم من تعد على الكرامة والأرزاق دون اي دخل لدين او معتقد فلم تذكر هذه المصادر انه اقام حلقات تفقيه في الدين ولا اللغة ولا انشأ بيوت عبادة او غير الكنائس الى مساجد لمن معه من مسلمين او لمن اسلم من القبائل التي غزاها.
ككل من سبقه من قادة الغزو العربي الذين تذكرهم المصادر الاسلامية والذين جاؤوا "لنشر" الدين الاسلامي في شمال افريقيا كما يردد كل المدافعين عن هؤلاء الغزاة، بلغ المحيط في حربه ضد الامازيغ كما توضحه الخريطة التالية http://sites.google.com/site/ictroyalluxe/fatharabmaroc1.JPG
دون ان يترك بينهم، ككل من سبقه مدنا اسلامية الطابع، بل ذكرى سيئة لغزو غايته الاساسية السلب والنهب.
حسب كل ما تقدمه المصادر الاسلامية من اخبار لأعمال عقبة ألعسكرية هل كان عقبة ككل من سبقه قائدا يحقق اهداف سادته الاستعمارية دون ان يكون للدين اي تأثير عليه ولا غايته الاساسية التي يسعى الى تحقيقها او كان وليا من اولياء الله الصالحين الراغبين في الاستشهاد في سبيل نشر كلمة ربه كما تصفه المراجع الاسلامية مناقضا بذلك فعله الميداني في غزوه للشمال الافريقي حيث كان يحارب المدن والقرى التي يمر بها فيستلب ويسبى وينهب ثم يمضي في سبيله دون اي تفاعل فعلي مع اهل المدن التي قام بمحاصرتها وقتل رجالها وسبي نساءها وما قاله عنه عبد الله بن عمرو بن العاص لما قدم اليه في مصر " حدثنا عبدالملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن بحير بن ذاخر المعافري قال كنت عند عبدالله بن عمرو بن العاص حين دخل عليه عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهري فقال ما أقدمك يا عقبة فإني أعلمك تحب الإمارة قال فإن أمير المؤمنين يزيد عقد لي على جيش إلى إفريقية" ابن عبد الحكم؟
لن يقدر اي مؤمن بشرعية الجهاد في سبيل الله وضرورة فعل "الفتح الإسلامي لنشر الدين ان يثبت ان عقبة ومن سبقه وقفوا امام الشعوب التي استباحوها باسم الدين عارضين الاسلام او الجزية او الحرب كما يؤكد النص التشريعي الاسلامي لأن كل المراجع تؤكد ان كل ما فعلوه هو الانقضاض على المدن الآمنة ومقاتلتها وجمع اكبر غنيمة ممكنة من مال وعبيد وسبايا ثم الرحيل السريع الى غيرها او التراجع لاستجماع القوى للانقضاض من جديد دون اي تفاعل مع اهل هذه المدن المنكوبة او البقاء فيها لتضميد الجراح بكلمة قدسية تفسر فعلهم الشنيع بعد تحقيق غاية الغزو.
مصرعه في تهودة كان نهاية طبيعية لتجاوزاته وانتهاكه لشعب سالم دينارا لسبع سنوات وساعده لكنه ثار وأبى الانصياع لغطرسة عقبة وامتهانه له وهنا نسأل لماذا لم يسعى جنده الذين سبقوه الى القيروان بمساعدة من كان في افريقية من اتباعه للانتقام له لما طالبهم زهير بن قيس البلوي بذلك؟ هل كان خروجهم السريع، بزعامة حنش الصنعاني قائد دينار على شبه جزيرة شريك الافريقية بين سوسة وتونس وجبل زغوان، لمصر حفاظا على ما جمعوه من غنائم ام لعدم قناعتهم بشرعية قضية قائدهم بعد ان فقدوا معه خلال حروبهم الالاف من رفاقهم دون ان يتركوا اي اثر لهم في اي من المدن التي حاربوها ام بسبب التعب الذي لحق بهم بعد طول طواف على مدن الشمال الافريقي كما تذكر المراجع؟
بعد مقتل عقبة ورحيل جنده لمصر رحل زهير بن قيس البلوي وأقام في برقة (أقام في مصر حسب فتوح مصر لابن عبد الحكم الى ان امره عبد العزيز بن مروان بالذهاب لحرب الروم الذين هاجموا برقة "وانزلوا بها من الفساد شيئا كثيرا") في حين استرجع الامازيغ ارضهم و صارت القيروان عاصمة ملك كسيلة الذي استمرت فترة حكمه لافريقية ونوميديا خمس سنوات اسس خلالها مملكة امازيغية تشمل الاوراس والجزء الجنوبي من قسنطينة والجزء الاكبر من افريقية..
سلوك كسيلة ازاء أسرى تهودة ومن بقي من اتباع عقبة وزهير بن قيس في القيروان يبرز طبيعة طبيعة الامازيغ المسالمة ورغبتهم في اعادة الامن والسلام لموطنهم، فهم قد ساندوا ابا المهاجر دينار كما فعلوا مع الفنيقيين قديما ومع الونداليين ضد روما التي كانت بعض قبائلهم المستقلة والتي رفضت الرومنة ورحلت الى المناطق الداخلية لما سلبت مراعيها ومزارعها تتربص بحامياتها ومدنها الافريقية فيهاجمونها انتقاما ودفاعا عن بلادهم كلما سنحت لهم الفرصة لذلك، رغم ان روما لم تستعبدهم بل منحت من والاها منهم امكانية ان يكون امبراطورا في بلاط روما مركز الحكم.
باستثناء مساندتهم لدينار وقفوا بشراسة امام الغزو العربي في كل مراحله السابقة واللاحقة لأنه انتهك حرماتهم وسلب ارزاقهم وهدد امنهم. لكن ما ان حرروا بلادهم من التواجد العسكري العربي برحيل زهير ومقتل عقبة وبدل الانتقام من الاعداء وأنصارهم بعد النصر الكبير الذي حققه، اطلق كسيلة محمد بن أوس الانصاري وبقية أسرى تهودة بناء على طلب صاحب قفصة كما أمّن من بقي من الموالين لعقبة في القيروان في حين كان قادرا على تصفيتهم نظرا لعدد من كان معه من الموالين له ومن انصاره من الروم. نقرا في نهاية الأرب في فنون الأدب.. النويري وابن الاثير اسد الغابة الجزء الرابع."وأما كسيلة فاجتمع إليه جمع كبير فقصد القيروان وبها أصحاب الأثقال والذراري من المسلمين. فطلبوا الأمان من كسيلة فأمنّهم. ودخل القيروان واستولى على إفريقية. وأقام بها إلى أن قوي أمر عبد الملك بن مروان."
لما نقرأ في بعض المصادر التي تمتدح قادة الغزو العربي مؤكدة انهم كانوا ينهلون من معين النص التشريعي الاسلامي السمح نسأل مما كان ينهل كسيلة الامازيغي المرتد كما تصفه المصادر الاسلامية؟
لكن لأن البقاء للأقوى استقلال افريقية لم يدم طويلا اذ ما ان أخمد عبد الملك بن مروان الاضطرابات الداخلية حتى ارسل زهيرا (69هـ/689م) للانتقام لمقتل قائده عقبة وإعادة احتلال شمال افريقيا.
في نهاية الارب نقرأ " فلما وصل ذلك إليه أقبل إلى إفريقية في عسكر عظيم وذلك في سنة تسع وستين. فبلغ خبره كسيلة فجمع البربر وتحول عن القيروان إلى ممش. وجاء زهير فأقام بظاهر القيروان ثلاثة أيام حتى استراح وأراح. ثم رحل إلى كسيلة. والتقيا واشتد القتال وكثر القتل في الفريقين. فأجلت الحرب عن قتل كسيلة وجماعة من أصحابه. وانهزم من بقي منهم. فتبعهم الجيش فقتلوا من أدركوه."
ساعد زهير في معركته مع كسيلة ومن والاه من القبائل الامازغية من جهة نقض الروم لعهدهم للقائد الامازيغي لأنهم ارادوا ان يتخلصوا من احدهم ليسهل عليهم محاربة الثاني وبذلك يسترجعون سلطانهم على افريقية حسب ما اورده المالكي في رياض النفوس ومن جهة أخرى مساندة بعض القبائل المحلية التي وجدت في العرب نصيرا لها ضد الروم والقبائل المسيحية كما وجدت ان مشاركتها لهم تمتعها بالاشتراك في الاسلاب. مما يعني ان الدافع لم يكن اعتناقهم الاسلام بقدر ما هو الرغبة في الكسب المادي عبر الاشتراك في الحروب والأسلاب الى جانب العداء للمستعمر القديم الموالي لكسيله الذي كان مسيحيا وعلى صلة ولاء مع روم بيزنطة.
بعد مقتل كسيلة والقضاء على مقاومة البرنس نهائيا بقتل كل من فر منهم الى الجبال طلبا للنجاة عاد زهير الى برقة لمحاربة الروم الذين يترصدون به هناك. نجد في تاريخ البلاذري " فتح تونس ثم انصرف إلى برقة‏...‏ فبلغه أن جماعة من الروم خرجوا من مراكب لهم فعاثوا فتوجه إليهم في جريدة خيلٍ فلقيهم فاستشهد ومن معه."
فهل كان قدوم زهير الى افريقية للقضاء على ثورة الامازيغ بزعامة كسيلة فتحا مبينا غايته نشر الاسلام أم كان مجرد حملة انتقام لمقتل عقبة انسحب على اثرها زهير الى برقة دون ان يترك أي اثر له بافريقية ودون ان يكون فيها وال لحاكم مصر او القصر الاموي الحاكم في الفسطاط لانشغال عبد الملك بثورة الزبيريين؟
هل انسحاب زهير من افريقية كان نتيجة خوفه من تاثير بذخ العيش في افريقية على الرجل المجاهد الورع الذي كانه حسب تعليل المصادر الاسلامية وهو تعليل ضعيف اذ ان افريقية كانت دار حرب انعدم فيها الامان وبالتالي الرخاء الاقتصادي ثم ان القائد الورع يرابط على ابواب دار الحرب لنشر الدين فيها ولا يتركها للمدن الكبيرة حيث رفاهة العيش الفعلية، ام انه كان عزلا من طرف والي مصر عبد العزيز بن مروان الذي تذكر المصادر الاسلامية عداءه الكبير له وخلافة معه، ام انه كان في الحقيقة نتيجة الخوف من ثورة أمازيغية اخرى يمكن ان تقضي عليه كما حصل مع قائده عقبة فآثر السلامة والانسحاب لبرقة لأنه يعلم ان ما قام به كان له اثر سيء وعدواني في نفوس عموم الامازيغ ولأنه يعلم ايضا ان فعله العسكري في الشمال الافريقي -ان صح فعلا ما نقله كتبة السير والتاريخ العربي في القصر العباسي في نهاية القرن الثامن والقرن التاسع- لا علاقة له بنشر وهداية الكفار لدين تقول المصادر الاسلامية انه حارب تحت رايته بل كان توسعا استعماريا لصالح ملك لم تتعرب الدواوين إلا في عصره والتي تحمل اسمه ورسوما او احرفا تشير الى المسيح ولا تذكر لا الاسلام ولا المسلمين ، ملك لم يترك دليلا على وجود اسلام في عصره، بنى قبة الصخرة على شكل معبد النار المجوسي ووضع كتابات تمجد المسيح الذي يلقب باسم محمد رسول الله والتي مُحيت وغُيرت بعده بقرنين مزاوجا بين معتقداته اليهو-مسيحية والزرادشتية الفارسية التي نجد تأثيرها الكبير على جملة العبادات الاسلامية؟
توقف احتلال افريقية الى ان قضى عبد الملك على "عبد الله بن الزبير، فلما قتل ابن الزبير جهز عبد الملك حسان ابن النعمان إليها" في حملته الاولى -نهاية الارب- لكن حربه ضد الكاهنة لم تُثمر نصرا للعرب اذ تغلبت عليه وهزمته وتتبعه جيشها حتى اخرجوهم من " من عمل قابس ولحق حسان بعمل طرابلس " ابن خلدون المجلد 5 ص 128
ثورة الامازيغ ضد المستعمرين الجدد لم تتوقف اذ تذكر ذات النصوص العربية القديمة الكاهنة القائدة الامازيغية البترية بعد افول قوة البرنس التي جمعت من بقي ثائرا من بينهم ودافعت عن ارض اجدادها الى ان ماتت في سبيل تحريرها.
يسميها العرب حارقة البيوت المشعوذة لأنها رفضت الانصياع للغزو العربي للشمال الافريقي وواجهته بإصرار واعتمدت سياسة الارض المحروقة التي اثارت عليها الموالين للعرب من القبائل الامازيغية في افريقية وهي الحادثة التي يذكرها النويري في نهاية الارب فيقول أن الكاهنة قالت لقومها: " إن العرب يريدون البلاد والذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعي، ولا أرى إلا خراب إفريقية حتى ييأسوا منها. وفرقت أصحابها ليخربوا البلاد فخربوها، وهدموا الحصون، وقطعوا الأشجار ونهبوا الأموال. قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: وكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلاً واحداً وقرى متصلة، فأخربت ذلك. فلما قرب حسان من البلاد، لقيه جمع من أهلها من الروم يستغيثون به من الكاهنة. فسره ذلك. وسار إلى قابس. فلقيه أهلها بالأموال والطاعة، وكانوا قبل ذلك يتحصنون من الأمراء. فجعل فيها غلاماً وسار على قفصة فأطاعه من بها واستولى عليها وعلى قسطيلية ونفزاوة."
خلفت داهيا/الكاهنة، قائدة قبيلة الجراوة اليهودية كما يقول ابن خلدون، كسيلة في زعامة الامازيغ وحربهم لتحرير ارضهم وصون كرامة قبائلها. انظم اليها الامازيغ البرنس والبتر الثائرين على الغزو العربي الاستعماري " وقد ضوي إليها بنو يفرن ومن كان بإفريقية من قبائل زناتة وسائر البتر " فتمكنت من بسط نفوذها على افريقية ونوميديا والانتصار على حسان بن نعمان من سنة 69 هـ حتى مقتلها في جبال الأوراس سنة 83هـ/701م والتي يقول ابن الاثير في تاريخه الكامل المجلد الرابع صفحة 471 حول قوة نفوذها ومكانتها: " وقد اجتمع حولها البربر بعد قتل كسيلة، فسأل أهل افريقية عليها فعظموا محلها وقالوا: إن قتلتها لم تختلف البربر بعدها عليك".
المثير ان الكاهنة تماما ككسيلة بعد هزيمة حسان وفراره الى برقة لم تقتل من بقي من انصاره ولما دخلت القيروان لم تلحق أي ضرر بها ولا بمتساكنيها لنسأل ثانية من أي معين كانت الكاهنة تستمد التسامح والرحمة مع المخالفين لها وأنصار اعداءها بل وأعداءها ذاتهم حيث اطلقت سراح اسراها من العرب الغزاة وتبنت احدهم. ذكرهم ابن الاثير في ذات ألصفحة : " فالتقوا على (نهر نيني) واقتتلوا أشد قتال رآه الناس فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير وانهزم حسان وأسر منهم جماعة كثيرة أطلقتهم الكاهنة سوى خالد ابن يزيد القيسي وكان شريفا شجاعا فاتخذته ولدا "؟

لتحقيق غايات بعثته منح عبد الملك حسانا مال مصر المستعمرة العربية والتي قال فيها عمر بن الخطاب "أخرب الله مصر في عمار المدينة وصلاحها" لا مالا من خزينة دولته قائلا له حسب ما ورد في نهاية الارب (416/6) : "إني قد أطلقت يدك في أموال مصر، فاعط من معك ومن ورد عليك من الناس، واخرج إلى جهاد إفريقية على بركة الله" ونقرأ عن ابن الأثير في تاريخه الكامل: إنه استعمله في سنة أربع وسبعين بعد مقتل عبد الله بن الزبير(عند ابن عبد الحكم سنة 73هـ). وقال ابن الرّقيق إنه ندبه إلى إفريقية في سنة تسع وستين. قال: فدخل إفريقية بجيش عظيم ما دخلها مثله قط. فدخل القيروان وتجهز منها إلى قرطاجنّة."
على نقيض سلوك الكاهنة مع الامازيغ الموالين للعرب ومن بقي من العرب بالقيروان، في عمله العسكري في افريقية لم يشذ حسان عن سيرة من سبقه من قادة. نقرا في نهاية الارب أنه "لما دخل حسان إلى القيروان سأل عن أعظم ملك بقي بإفريقية. فقيل له: صاحب قرطاجنة، وهي بلدة عظيمة، ولم تفتح بعد، ولا قدر عليها عقبة. فسار إليها. وقاتل من بها من الروم والبربر أشد قتال. فانهزموا وركبوا في البحر. وسار بعضهم إلى صقلية وبعضهم إلى الأندلس ودخل حسان قرطاجنة بالسيف فقتل وسبي ونهب. وأرسل الجيوش إلى ما حولها. ثم أمر بهدمها فهدم المسلمون منها ما أمكنهم. ثم بلغه أن الروم والبربر قد اجتمعوا في صطفورة وبنزرت. فسار إليهم وقاتلهم، فهزمهم وأكثر القتل فيهم واستولى المسلمون على بلادهم. ولم يترك موضعاً منها حتى وطئه. فخافه أهل إفريقية خوفاً شديداً. ولجأ المهزمون من الروم إلى مدينة باجة فتحصنوا بها وتحصن البربر بمدينة بونة. وعاد حسان إلى القيروان فأقام بها حتى أراح واستراح."
لم يعرض حسان كمن سبقه الاسلام او الجزية او الحرب بل سارع الى اعمال السيف والقتل في سبيل السلب والنهب ويؤكد ذلك البلاذري بقوله " إن حسان غزاها ثانية فقتلها وسبى سباً من البربر، وبعث به إلى عبد العزيز. فكان أبو محجن نصب الشاعر يقول: "لقد حضرت عند عبد العزيز سبياً من البربر ما رأيت قط وجوهاً أحسن من وجوهم"
بعد القضاء على ثورة الكاهنة "بطل النزاع واستقامت إفريقية له". ولما عزله عبد العزيز بن مروان قدم اليه وأهداه " مائتي جارية ووصيف من خيار ما كان معه ويقال: إن حسان كان معه من السبي خمسة وثلاثون ألف رأس " فهل هذا العدد من "الرؤوس" ينضوي ضمن نشر الدعوة الدينية ام العمل العسكري الاستعماري التوسعي؟
ثم تذكر المصادر انه لما قدم بين يدي الخليفة الوليد قال لمن معه :" ائتوني بالقرب. فأتي بها فأفرغها بين يدي الوليد. فرأى ما أذهله من أصناف الجوهر واللؤلؤ والذهب. فقال حسان: يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهداً في سبيل الله، ولم أخن الله تعالى ولا الخليفة" لنسأل آن لم يخالف حسان امر الله فمن اين اتى بكل هذه الغنائم؟ أليست اسلابا من افريقية ونوميديا اخذها عنوة من اهلها تحت حد السيف؟ ام انه علينا القبول بأنه يحق في جهاد الطلب كل تجاوز وكل تعد دون أي اعتراف بوحشية المجاهد لأن الاخر المسلوب ليس سوى كافرا مخالفا لشرع اله الخليفة يمكن امتهانه والتعدي عليه دون أية ضوابط اخلاقية؟
ما قدمه حسان للوليد دفع هذا الاخير ليطلب من قائده، الذي قدم غنيمة مذهلة لم يكن يتوقعها، العودة لنهب وسلب أكبر وأمام رفضه كلف موسى بن نصير ملك السبي في التاريخ العربي بالرحيل للشمال الافريقي لفتح البلاد المفتوحة (تونس التي كان قد وقع فتحها مرار قبل زهير بن قيس)؟
هل فتح البلاد المفتوحة شرعي وموافق للنص القرآني الذي يقول " فإن جنحوا للسلم فاجنح لها" "لآ ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم و تقسطوا اليهم." وقد رأينا ان اهل افريقية قبلوا بحسان ومنحوه مالهم لمحاربة الكاهنة واستقام له الامر بينهم وترك بينهم بعد عزله "ابا صالح" خليفة له فعزله موسى بن نصير سنة 83هـ الذي صارت في عهده افريقية ولاية مستقلة عن مصر استمر حكمه لها لسنة 95(هـ)؟
عند قدومه " بلغه أن بأطراف إفريقية قوماً خارجين عن الطاعة. فوجه إليهم ابنه عبد الله فقاتلهم وظفر بهم. وأتاه بمائة ألف رأس من سبيهم. ثم وجه ولده مروان إلى جهة أخرى، فأتاه بمائة ألف رأس. ثم توجه هو بنفسه إلى جهة أخرى فأتي بمائة ألف رأس. قال الليث بن سعد: فبلغ الخمس يومئذ ستين ألف رأس ولم يسمع بمثل هذا في الإسلام." نهاية الارب.
وفي فتوح مصر:" حدثنا عبدالملك بن مسلمة حدثنا الليث بن سعد أن موسى بن نصير حين غزا بعث ابنه مروان عل جيش فأصاب من السبي مائة ألف وبعث ابن أخيه في جيش أخر فأصاب مائة ألف فقيل لليث بن سعد من هم فقال البربر فلما أتى كتابه بذلك قال الناس ابن نصير والله أحمق من أين له عشرون ألفا يبعث بها إلى أمير المؤمنين في الخمس فبلغ ذلك موسى بن نصير فقال ليبعثوا من يقبض لهم عشرين ألفا"
وكان موسى قد سن قانونا حربيا سبقه اليه حسان بن نعمان يتمثل في اخذ رهائن بشرية ممن يسالمونه يقوم بقتلهم لو خرجوا من طاعته فنقرا عن ابن عذارى :" إلى قبائل من البربر فلم يلق حرباً منهم فرغبوا في الصلح منه فوجه رؤساءهم إلى موسى بن نصير فقبض رهونهم... لما حمل أبو مدرك زرعة بن أبي زرعة رهائن المصامدة جمعهم موسى مع رهائن البربر الذين أخذهم إلى أفريقية والمغرب" فهل هذا الرهن من بين اسس نشر الدين بين الامازيغ قام به مجاهد في سبيل ربه تقي وورع؟
ويقول ابن قتيبة الدينوري المتوفي سنة 276 هـ في كتابه :الامامة والسياسة في فتح زغوان " فوجه لهم موسى خمس مئة فارس عليهم رجل من خشين يقال له عبد الملك فقاتلهم فهزمهم الله و قتل صاحبهم ورقطان ,و فتحها الله على يد موسى ,فبلغ السبي يومئذ عشرة آلاف رأس ,وانه كان أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى ,ثم وجه ابنا له يقال له :عبد الرحمن بن موسى الى بعض نواحيها فأتاه بمئة ألف رأس ثم وجه ابنا له يقال له مروان فاتاه بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين ألف رأس"
ويقول ايضا في سبي موسى ابن نصير " قال : و ذكروا أن موسى بن نصير كتب الى عبد العزيز بن مروان بمصر يخبره بالذي فتح الله عليه ,وأمكن له , و يعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا و كان ذلك وهما من الكاتب ,فلما قرأ عبد العزيز الكتاب ,دعا الكاتب و قال له :ويحك !اقرا هذاالكتاب ,فلما قرأه قال هذا وهم من الكاتب فراجعه فكتب آليه عبد العزيز :انه بلغني كتابك و تذكر فيه أن قد بلغ خمس ما أفاه الله عليك ثلاثين ألف رأس ,فاستكثرت ذلك , وظننت أن ذلك وهم من الكاتب ,فاكتب الي بعد ذلك على حقيقة ,واحذر الوهم ,فلما قدم الكتاب على موسى كتب اليه بلغني أن الأمير أبقاه الله يذكر أنه استكثر ما جاءه من العدة,التي أفاه الله علي ,و أنه ظن أن ذلك وهم من الكاتب,فقد كان ذلك وهما على ما ظنه الأمير , الخمس أيها الأمير ستون ألفا حقا ثابتا بلا وهم .قال :فلما أتى الكتاب الى عبد العزيز و قرأه ملأه سرورا."
ويقول في سبي هوارة و زناتة و كتامة " وذكروا أن موسى أرسل عياش بن أخيل الى هوارة و زناتة في الف فارس فأغار عليهم و قتلهم و سباهم ,فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس و كان عليهم رجل منهم يقال له كمامون فبعث به موى الى عبد العزيز في وجوه الأسرى,فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة فسميت بركة كمامون"

لماذا اهملت كل النصوص العربية ان تذكر انه دعى الى الاسلام بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة قبل كل حرب يشنها في حين تذكر بالتفصيل السبي والنهب وعدد الرؤوس المجموعة كما لو ان ما تقدمه هو سيرة مافيا منظمة وقطاع طرق بعد ان يضمنوا خضوع الجماعة المنهزمة لهم يضعون من يعلمهم عقائدهم كواجب عسكري لا دعوي عقائدي سلمي في عدد ضئيل جدا بالمقارنة مع عدد القبائل والمدن المنتهكة والمسلوبة حيث نقرأ في نهاية الارب:"ترك موسى بن نصير سبعة عشر رجلاً من العرب يعلمونهم القرآن وشرائع الإسلام ثم اية شرائع هذه التي سيعلمها الغازي المنتصر لشعب مستعمر ومهان سبيت نساءه وجرد من ثرواته؟
في فتوح مصر وأخبارها تصدمنا الكلمات المستعملة ك" وطئ وسبى وغنم و بث السرايا" لذكر عدوانية موسى في انتهاكه للقبائل المهزومة. لما نقرا :"أن موسى بن نصير خرج من أفريقية غازيا إلى طنجة وهو أول من نزل طنجة من الولاة وبها من البربر بطون من البتر والبرانس ممن لم يكن دخل في الطاعة فلما دنا من طنجة بث السرايا فانتهت خيله إلى السوس الأدنى فوطئهم وسباهم وأدوا إليه الطاعة وولى عليهم واليا أحسن فيهم السيرة ووجه بسر بن أبي أرطأة إلى قلعة من مدينة القيروان على ثلاثة أيام فافتتحها وسبى الذرية وغنم الأموال" ألا نلاحظ ان الغاية الفعلية كانت الاستعمار وفرض الطاعة عبر الانتهاك المادي والجسدي للشعوب المسلوبة؟
هل يمكن اعتبار غزو موسى بن نصير للشمال المغربي فتحا مبينا وقد كان يأخذهم على حين غرة وهم لا يشعرون بمقدمه فيقتل ويسبي وهل نشر الدين يكون بالهجوم الفجائي على المدن الامنة لكي نجعل من فعله الاجرامي عملا دعويا غايته نشر الدين :"وذكروا أن الجواسيس أتوا موسى، فقالوا له: إن صنهاجة بغرة منهم وغفلة، وإن إبلهم تنتج، ولا يستطيعون براحا، فأغار عليهم موسى بأربعة آلاف من أهل الديوان، وألفين من المتطوعة، ومن قبائل البربر، وخلف عياشا على أثقال المسلمين وعيالهم بظبية في ألفي فارس، وعلى مقدمة موسى عياض بن عقبة، وعلى ميمنته المغيرة بن أبي بردة، وعلى ميسرته زرعة بن أبي مدرك، فسار موسى حتى غشي صنهاجة، ومن كان معها من قبائل البربر، وهم لا يشعرون، فقتلهم قتل الفناء، فبلغ سبيهم يومئذ مئة ألف رأس، ومن الإبل والبقر والغنم والخيل والحرث والثياب ما لا يحصى، ثم انصرف قافلا إلى القيروان، وهذا كله في سنة ثمانين فلما سمعت الأجناد بما فتح الله على موسى وما أصاب معه المسلمون من الغنائم رغبوا في الخروج إلى الغرب، فخرج نحو مما كان معه، فالتقى المغيرة وصنهاجة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الله منحه أكتافهم وهزمهم، فبلغ سبيهم ستين ألف رأس ثم انصرف قافلا"ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة ، باب موسى بن نصير؟
بماذا نفسر الفعل العسكري لموسى ابن نصير الذي كان "إذا سار إلى مكان تحمل الأموال معه على العجل لكثرتها وعجز الدواب عنها" (البداية والنهاية) والذي عاد لأفريقية بعد غزو فاندالوسيا/ اسبانيا"وهو راكب على بغل اسمه كوكب وهو يجر الدنيا بين يديه جرا، أمر بالعجل تجر أوقار الذهب والجواهر والتيجان والثياب الفاخرة ومائدة سليمان، ثم استخلف ولده بإفريقية، وأخذ معه مائة من رؤوس البربر، ومائة وعشرين من الملوك وأولادهم، وقدم مصر في أبهة عظيمة" تاريخ الإسلام - الذهبي - ج ٦ - الصفحة ٤٨٧؟؟
وبما نفسر ما قام به رجاله الذين ارسلهم الى جزيرة سردانية حيث "كان بعضهم يذبح الهرّ، ويرمي ما في جوفه، ويملأه دنانير، ويخيط عليها، ويلقيه في الطريق. فإذا خرج أخذه. وكان يضع قائم سيفه على الجفن ويملأه ذهباً. فلما ركبوا في البحر سمعوا قائلاً يقول: اللهم غرّقهم. فغرقوا عن آخرهم" وكيف يستجيب هذا الاله الذي دعاه اهل سردانية فيغرق الغزاة العرب الذين قدموا لإعلاء رايته ونشر دينه؟

هل يمكن القبول بعمل موسى العسكري في افريقية كفعل فتح ديني مبين لبلاد مفتوحة ام غزو همجي استعماري لجمع اكبر عدد ممكن من الثروات والعبيد والسبايا في بلدان كانت لها حضاراتها ولغاتها الخاصة التي تختلف جذريا عن العربية؟
لما دخل العرب مصرا سنة 18 و 19 هـ (640م- 639م) وحتى السيطرة عليها بالكامل سنة 642م لم يكن بين ايديهم كتاب مقدس ولم يكن الاقباط ومن استوطن مصر من الرومان يفقهون اللغة العربية ثم لما استتب لهم الامر في مصر وانطلقوا الى افريقية (تونس) في عدد كبير من الغزوات تفوق ال360 غزوة بداية من سنة 27 هـ (647) م مع العبادلة السبعة لم يرسلوا فقهاء او دعاة او معلمين يفقهون الشعوب التي يريدون نشر دينهم فيها في لغتهم ودينهم.
لم يكن اهل الشمال الافريقي (ليبيا وافريقية البروقنصلية والجزائر والمغرب) يفهمون لغة الغزاة التي لم تتحول الى لغة رسمية إلا بعد زمن طويل. كانت لغة البلاط هي اللغة الامازيغية المحلية رغم انه وجد من بين امراء هذه الممالك شعراء وخطباء ينظمون ادبهم باللغة العربية في فترة الدولة الفاطمية والصنهاجية والحفصية -- التي مع انها بلغت مقام الخلافة وبايعها اهل الاندلس والجزائر والسودان والحجاز الا ان لغة البلاط فيها كانت الامازيغية الهنتاتية والاسبانية البلنسية--.
تطور اللغة في الشمال الافريقي مر بثلاث مراحل حسبما يذكر عثمان الكعاك
1) من اوائل القرن الثاني حتى نهاية القرن الثالث هجري كانت كل التصانيف في السير والطبقات باللغة الامازيغية.
2) من اوائل القرن الرابع وحتى نهاية القرن السادس هجري ومع ظهور الدولة الزيرية بتونس والحمادة بالجزائر وقع الجمع بين اللغتين الامازيغية والعربية في المصنفات.
3) آخيرا المرحلة العربية بداية من القرن السابع الهجري الموافق للقرن 13 الميلادي حيث صار الكتاب يعتمدون اللغة العربية مع اقحام بعض المصطلحات الامازيغية.
تقول المصادر الاسلامية ان الامازيغ دخلوا في الاسلام افواجا منذ "فتوحات" عقبة ابن نافع (1ق.ه – 63ه) الاولى في عهد معاوية والثانية في عهد ابنه يزيد ثم اسلموا مع كل غزو جديد ولنا ان نسأل هنا كيف تم ذلك واللغة كما رأينا لم تتحول الى عربية في بلاطات الحكام الا في القرن السابع هـ؟
ثم هل الامازيغ الذين تحولوا فجأة الى مسلمين مستعربين مشكلين بذلك معسكرا اسلاميا قويا تولى فتح اسبانيا كانوا يحملون في فتوحاتهم قرآن عثمان ويقرؤونه بالعربية ويؤدون طقوس الصلاة الاسلامية بعربية لم تكن رسمية في بلاط القادة والحكام ولم يكن يستعملها الفقهاء والخطباء في بلاطات الممالك الاسلامية التي قامت على ارض افريقية؟
بما انه لا توجد مصادر اجنبية يمكن ان نستمد منها تاريخ تلك الفترة من تاريخ شمال افريقيا فهل علينا القبول بواقع انها كانت وحشية وعدوانية وبذلك تسقط هالات القداسة الوهمية للاسلام كدين تسامح ومحبة ولمن قام بنشره في البلدان المستعمرة من "فاتحين مجاهدين ابرارا وأتقياء" ام اننا مضطرون لحفظ ماء الوجه في سبيل تنزيه الاسلام وتأكيد صدق تعريف محمود شيت لمنطق الحرب في الإسلام.: " لم يكن المسلمون الطرف الأول الذي يبدأ الهجوم إلا أنهم يحاربون حين إضطروا ذلك من ناحية أخري المسلمون لا يفعلون في حروبهم أعمالاً لا يليق بالشرف الإسلامي والعسكري بل يتبعون المعاهدات ولا يخونونها وينصرون المرضي والمجروحين ويعتنون بان لا يضروا بالأطفال والكهول من المدنيين" للتشكيك بما ورد في النصوص العربية التي الفت في قصور العباسيين في نهاية القرن الثامن والقرن التاسع حسب ما روي مشافهة بما فيه من اسقاطات ومن اعمال للخيال تماما كرويات الف ليلة وليلة وصيغة خطب عصماء نسبت لقادة الغزو الاسلامي وبكرامات كانوا يتمتعون بها والتي جعلت الامازيغ يتبعونهم ويؤمنون بدينهم دون ان يكون هناك أي تواصل لغوي بينهم او تقارب في المعتقدات أو الثقافة ومحاكمة الطبري وابن الاثير وابن عبد الحكم وغيرهم ممن كتب تاريخ الاعمال العسكرية لهؤلاء الغزاة والذين لم يقولوا ابدا ان انتشار الاسلام كان بالكلمة الحسنة والدعوة السلمية بل اغرقوا في تفاصيل مخجلة للسلب والنهب وللسبي وعدد رؤوس العبيد كما لو ان الاقوام الاخرى التي انتهكوها كانت حيوانات؟؟
نحن لا نحارب الاديان بل نسعى الى قراءة تاريخ شعوبنا بحيادية لنتصالح مع الماضي ونقدر ان نستمر في توافق ومواطنة تمنح كل الاطياف حق المشاركة في بناء الوطن مهما اختلفنا بعد اسقاط هالات التقديس لكل قائد يعتبره البعض "رمزا" مر على ارضنا او ساهم في خط تاريخها ونسب هالات قدسية له رغم وضوح فعله الاجرامي في حق الاخرين.
نشر الاسلام في الشمال الافريقي كان عملا استعماريا عنيفا استباح كل القيم الانسانية وعرب بحد السيف اهله ومن حق من يرفضه كعقيدة ان يتمتع بحق المواطنة والمشاركة في القرار. على المتطرفين وأصحاب الرأي الواحد أن يكلفوا انفسهم عناء القراءة قليلا ليطلعوا على تاريخهم المدون في كتبهم وعليهم ان يفهموا أخيرا ان الدين لله وان الوطن للجميع ولا يحق لأي احد تحت اي مسمى ان يفرض عقائده على الاخرين كما حدث قديما بالسيف والنار والسلب والسبي فالإنسانية بلغت حدا من الحضارة والتقدم المعرفي يمكنها من كشف التزوير والمغالطات ويؤمِّن حق الحرية الفردية التي لا يجوز بأي حال وضعها في المرتبة الثانية مقابل الحريات العامة التي تجعل منا قطيع يأتمر بأمر الملالي والفقهاء.
وطننا لنا جميعا مهما كانت قناعتنا الدينية والفكرية ومهما تعددت الوان الطيف التي نشكلها.

دمتم بخير وسلام - See more at: http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=307318#sthash.zp7dp31H.dpuf
رأينا ان ولاية ابو المهاجر بن دينار استمرت في شمال افريقيا (من افريقية الى تلمسان) مدة طويلة من سنة 55 هـ الى 62 هـ. أقام بها دينار ولم يتركها للعودة بعد الغزوة بالغنائم لمقر الحكم الاموى. رغم صمت المراجع الاسلامية عن اغلب اخبار دينار ربما لأنه ليس عربيا ولا صاحبا ولا تابعا بل مجرد مولى لمسلمة بن مخلد وتابع له الا اننا نستشف مما وصلنا من اخبار انه اول من اقام بالشمال المغربي لمدة طويلة مقارنة بمن سبقه وباللاحقين به من الغزاة العرب دون كبير اهتمام بحرب ولا سبي ولا غنائم.
كيف تم التوافق بين دينار والامازيغ الثائرين على الاستعمار البيزنطي والاستعمار العربي ؟
كيف اعتنقت قبائل الامازيغ البترية التي اقام بينها دينار في قيروان عقبة او تيكروان التي تذكرها المصادر العربية والغير البعيدة عن القيروان ثم قبائل البرنس بزعامة اوربة ومن والاها الاسلام في عهد دينار بكل بساطة متخلين عن معتقداتهم (سواء "الوثنية" او التوحيدية اليهودية والمسيحية) التي ثبتوا عليها على مدى قرون بل ومضوا معه في حروبه حتى تلمسان غربا وقرطاجنة شرقا ليحصل بعد معاهدة مع مع اهل قرطاجنة على شبه جزيرة شريك؟
المنطق يحملنا على الاعتقاد انه لم يكن هناك تصادم عقائدي بين القطبين بل توافق مع الحياة الاجتماعية للقبائل البترية الامازيغية ووتوافق سياسي مع البرنس ضد الاستعمار البيزنطي خمد بعد اصلاحات قسنطين الرابع الدينية التي قاربت بين وجهات النظر العقائدية بين القسطنطينية ومستعمراتها وأبرزت حدة الاطماع العربية الاستعمارية بعد عودة عقبة ابن نافع شاهر السلاح وممتهنا كرامة الامازيغ.
المنطق السليم يؤكد ايضا ان سياسة دينار الذي انشأ صلات ولاء مع الامازيغ وصادق كسلية ملك قبائل اوربة ليعم السكون في عهده ادت الى انقطاع المال الوارد الى الفسطاط من افريقية وهو السبب المباشر والمقنع الوحيد في اعادة معاوية لعقبة ابن نافع الذي لم يتبع سياسة سلفه اللينة والتوافقية بل سعى الى اعمال السيف في حروب ابادة كبيرة كاشفا عن الغاية الفعلية من قدومه الى افريقية اذ لما قال له ابو المهاجر نقلا عن رياض النفوس للمالكي "ليس بطنجة عدو لك لأن الناس قد اسلموا وهذا رئيس البلاد فابعث معه واليا ... أبى عقبة إلا ان خرج بنفسه". كلما يمر بمدينة او قرية ويحاربها تذكر المصادر الاسلامية انه يقتل كثيرا ويغنم كثيرا ويمضي وما من تفسير منطقي لإهانته لكسلية إلا التعبير عن احتقاره واستخفافه بالامازيغ كلهم مما أثار قبيلة اوربة وكل من والاها من القبائل الامازيغية الاخرى. لهذا كان قتله من طرف البربر انتقاما لما الحقه بهم من تعد على الكرامة والأرزاق دون اي دخل لدين او معتقد فلم تذكر هذه المصادر انه اقام حلقات تفقيه في الدين ولا اللغة ولا انشأ بيوت عبادة او غير الكنائس الى مساجد لمن معه من مسلمين او لمن اسلم من القبائل التي غزاها.
ككل من سبقه من قادة الغزو العربي الذين تذكرهم المصادر الاسلامية والذين جاؤوا "لنشر" الدين الاسلامي في شمال افريقيا كما يردد كل المدافعين عن هؤلاء الغزاة، بلغ المحيط في حربه ضد الامازيغ كما توضحه الخريطة التالية http://sites.google.com/site/ictroyalluxe/fatharabmaroc1.JPG
دون ان يترك بينهم، ككل من سبقه مدنا اسلامية الطابع، بل ذكرى سيئة لغزو غايته الاساسية السلب والنهب.
حسب كل ما تقدمه المصادر الاسلامية من اخبار لأعمال عقبة ألعسكرية هل كان عقبة ككل من سبقه قائدا يحقق اهداف سادته الاستعمارية دون ان يكون للدين اي تأثير عليه ولا غايته الاساسية التي يسعى الى تحقيقها او كان وليا من اولياء الله الصالحين الراغبين في الاستشهاد في سبيل نشر كلمة ربه كما تصفه المراجع الاسلامية مناقضا بذلك فعله الميداني في غزوه للشمال الافريقي حيث كان يحارب المدن والقرى التي يمر بها فيستلب ويسبى وينهب ثم يمضي في سبيله دون اي تفاعل فعلي مع اهل المدن التي قام بمحاصرتها وقتل رجالها وسبي نساءها وما قاله عنه عبد الله بن عمرو بن العاص لما قدم اليه في مصر " حدثنا عبدالملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن بحير بن ذاخر المعافري قال كنت عند عبدالله بن عمرو بن العاص حين دخل عليه عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهري فقال ما أقدمك يا عقبة فإني أعلمك تحب الإمارة قال فإن أمير المؤمنين يزيد عقد لي على جيش إلى إفريقية" ابن عبد الحكم؟
لن يقدر اي مؤمن بشرعية الجهاد في سبيل الله وضرورة فعل "الفتح الإسلامي لنشر الدين ان يثبت ان عقبة ومن سبقه وقفوا امام الشعوب التي استباحوها باسم الدين عارضين الاسلام او الجزية او الحرب كما يؤكد النص التشريعي الاسلامي لأن كل المراجع تؤكد ان كل ما فعلوه هو الانقضاض على المدن الآمنة ومقاتلتها وجمع اكبر غنيمة ممكنة من مال وعبيد وسبايا ثم الرحيل السريع الى غيرها او التراجع لاستجماع القوى للانقضاض من جديد دون اي تفاعل مع اهل هذه المدن المنكوبة او البقاء فيها لتضميد الجراح بكلمة قدسية تفسر فعلهم الشنيع بعد تحقيق غاية الغزو.
مصرعه في تهودة كان نهاية طبيعية لتجاوزاته وانتهاكه لشعب سالم دينارا لسبع سنوات وساعده لكنه ثار وأبى الانصياع لغطرسة عقبة وامتهانه له وهنا نسأل لماذا لم يسعى جنده الذين سبقوه الى القيروان بمساعدة من كان في افريقية من اتباعه للانتقام له لما طالبهم زهير بن قيس البلوي بذلك؟ هل كان خروجهم السريع، بزعامة حنش الصنعاني قائد دينار على شبه جزيرة شريك الافريقية بين سوسة وتونس وجبل زغوان، لمصر حفاظا على ما جمعوه من غنائم ام لعدم قناعتهم بشرعية قضية قائدهم بعد ان فقدوا معه خلال حروبهم الالاف من رفاقهم دون ان يتركوا اي اثر لهم في اي من المدن التي حاربوها ام بسبب التعب الذي لحق بهم بعد طول طواف على مدن الشمال الافريقي كما تذكر المراجع؟
بعد مقتل عقبة ورحيل جنده لمصر رحل زهير بن قيس البلوي وأقام في برقة (أقام في مصر حسب فتوح مصر لابن عبد الحكم الى ان امره عبد العزيز بن مروان بالذهاب لحرب الروم الذين هاجموا برقة "وانزلوا بها من الفساد شيئا كثيرا") في حين استرجع الامازيغ ارضهم و صارت القيروان عاصمة ملك كسيلة الذي استمرت فترة حكمه لافريقية ونوميديا خمس سنوات اسس خلالها مملكة امازيغية تشمل الاوراس والجزء الجنوبي من قسنطينة والجزء الاكبر من افريقية..
سلوك كسيلة ازاء أسرى تهودة ومن بقي من اتباع عقبة وزهير بن قيس في القيروان يبرز طبيعة طبيعة الامازيغ المسالمة ورغبتهم في اعادة الامن والسلام لموطنهم، فهم قد ساندوا ابا المهاجر دينار كما فعلوا مع الفنيقيين قديما ومع الونداليين ضد روما التي كانت بعض قبائلهم المستقلة والتي رفضت الرومنة ورحلت الى المناطق الداخلية لما سلبت مراعيها ومزارعها تتربص بحامياتها ومدنها الافريقية فيهاجمونها انتقاما ودفاعا عن بلادهم كلما سنحت لهم الفرصة لذلك، رغم ان روما لم تستعبدهم بل منحت من والاها منهم امكانية ان يكون امبراطورا في بلاط روما مركز الحكم.
باستثناء مساندتهم لدينار وقفوا بشراسة امام الغزو العربي في كل مراحله السابقة واللاحقة لأنه انتهك حرماتهم وسلب ارزاقهم وهدد امنهم. لكن ما ان حرروا بلادهم من التواجد العسكري العربي برحيل زهير ومقتل عقبة وبدل الانتقام من الاعداء وأنصارهم بعد النصر الكبير الذي حققه، اطلق كسيلة محمد بن أوس الانصاري وبقية أسرى تهودة بناء على طلب صاحب قفصة كما أمّن من بقي من الموالين لعقبة في القيروان في حين كان قادرا على تصفيتهم نظرا لعدد من كان معه من الموالين له ومن انصاره من الروم. نقرا في نهاية الأرب في فنون الأدب.. النويري وابن الاثير اسد الغابة الجزء الرابع."وأما كسيلة فاجتمع إليه جمع كبير فقصد القيروان وبها أصحاب الأثقال والذراري من المسلمين. فطلبوا الأمان من كسيلة فأمنّهم. ودخل القيروان واستولى على إفريقية. وأقام بها إلى أن قوي أمر عبد الملك بن مروان."
لما نقرأ في بعض المصادر التي تمتدح قادة الغزو العربي مؤكدة انهم كانوا ينهلون من معين النص التشريعي الاسلامي السمح نسأل مما كان ينهل كسيلة الامازيغي المرتد كما تصفه المصادر الاسلامية؟
لكن لأن البقاء للأقوى استقلال افريقية لم يدم طويلا اذ ما ان أخمد عبد الملك بن مروان الاضطرابات الداخلية حتى ارسل زهيرا (69هـ/689م) للانتقام لمقتل قائده عقبة وإعادة احتلال شمال افريقيا.
في نهاية الارب نقرأ " فلما وصل ذلك إليه أقبل إلى إفريقية في عسكر عظيم وذلك في سنة تسع وستين. فبلغ خبره كسيلة فجمع البربر وتحول عن القيروان إلى ممش. وجاء زهير فأقام بظاهر القيروان ثلاثة أيام حتى استراح وأراح. ثم رحل إلى كسيلة. والتقيا واشتد القتال وكثر القتل في الفريقين. فأجلت الحرب عن قتل كسيلة وجماعة من أصحابه. وانهزم من بقي منهم. فتبعهم الجيش فقتلوا من أدركوه."
ساعد زهير في معركته مع كسيلة ومن والاه من القبائل الامازغية من جهة نقض الروم لعهدهم للقائد الامازيغي لأنهم ارادوا ان يتخلصوا من احدهم ليسهل عليهم محاربة الثاني وبذلك يسترجعون سلطانهم على افريقية حسب ما اورده المالكي في رياض النفوس ومن جهة أخرى مساندة بعض القبائل المحلية التي وجدت في العرب نصيرا لها ضد الروم والقبائل المسيحية كما وجدت ان مشاركتها لهم تمتعها بالاشتراك في الاسلاب. مما يعني ان الدافع لم يكن اعتناقهم الاسلام بقدر ما هو الرغبة في الكسب المادي عبر الاشتراك في الحروب والأسلاب الى جانب العداء للمستعمر القديم الموالي لكسيله الذي كان مسيحيا وعلى صلة ولاء مع روم بيزنطة.
بعد مقتل كسيلة والقضاء على مقاومة البرنس نهائيا بقتل كل من فر منهم الى الجبال طلبا للنجاة عاد زهير الى برقة لمحاربة الروم الذين يترصدون به هناك. نجد في تاريخ البلاذري " فتح تونس ثم انصرف إلى برقة‏...‏ فبلغه أن جماعة من الروم خرجوا من مراكب لهم فعاثوا فتوجه إليهم في جريدة خيلٍ فلقيهم فاستشهد ومن معه."
فهل كان قدوم زهير الى افريقية للقضاء على ثورة الامازيغ بزعامة كسيلة فتحا مبينا غايته نشر الاسلام أم كان مجرد حملة انتقام لمقتل عقبة انسحب على اثرها زهير الى برقة دون ان يترك أي اثر له بافريقية ودون ان يكون فيها وال لحاكم مصر او القصر الاموي الحاكم في الفسطاط لانشغال عبد الملك بثورة الزبيريين؟
هل انسحاب زهير من افريقية كان نتيجة خوفه من تاثير بذخ العيش في افريقية على الرجل المجاهد الورع الذي كانه حسب تعليل المصادر الاسلامية وهو تعليل ضعيف اذ ان افريقية كانت دار حرب انعدم فيها الامان وبالتالي الرخاء الاقتصادي ثم ان القائد الورع يرابط على ابواب دار الحرب لنشر الدين فيها ولا يتركها للمدن الكبيرة حيث رفاهة العيش الفعلية، ام انه كان عزلا من طرف والي مصر عبد العزيز بن مروان الذي تذكر المصادر الاسلامية عداءه الكبير له وخلافة معه، ام انه كان في الحقيقة نتيجة الخوف من ثورة أمازيغية اخرى يمكن ان تقضي عليه كما حصل مع قائده عقبة فآثر السلامة والانسحاب لبرقة لأنه يعلم ان ما قام به كان له اثر سيء وعدواني في نفوس عموم الامازيغ ولأنه يعلم ايضا ان فعله العسكري في الشمال الافريقي -ان صح فعلا ما نقله كتبة السير والتاريخ العربي في القصر العباسي في نهاية القرن الثامن والقرن التاسع- لا علاقة له بنشر وهداية الكفار لدين تقول المصادر الاسلامية انه حارب تحت رايته بل كان توسعا استعماريا لصالح ملك لم تتعرب الدواوين إلا في عصره والتي تحمل اسمه ورسوما او احرفا تشير الى المسيح ولا تذكر لا الاسلام ولا المسلمين ، ملك لم يترك دليلا على وجود اسلام في عصره، بنى قبة الصخرة على شكل معبد النار المجوسي ووضع كتابات تمجد المسيح الذي يلقب باسم محمد رسول الله والتي مُحيت وغُيرت بعده بقرنين مزاوجا بين معتقداته اليهو-مسيحية والزرادشتية الفارسية التي نجد تأثيرها الكبير على جملة العبادات الاسلامية؟
توقف احتلال افريقية الى ان قضى عبد الملك على "عبد الله بن الزبير، فلما قتل ابن الزبير جهز عبد الملك حسان ابن النعمان إليها" في حملته الاولى -نهاية الارب- لكن حربه ضد الكاهنة لم تُثمر نصرا للعرب اذ تغلبت عليه وهزمته وتتبعه جيشها حتى اخرجوهم من " من عمل قابس ولحق حسان بعمل طرابلس " ابن خلدون المجلد 5 ص 128
ثورة الامازيغ ضد المستعمرين الجدد لم تتوقف اذ تذكر ذات النصوص العربية القديمة الكاهنة القائدة الامازيغية البترية بعد افول قوة البرنس التي جمعت من بقي ثائرا من بينهم ودافعت عن ارض اجدادها الى ان ماتت في سبيل تحريرها.
يسميها العرب حارقة البيوت المشعوذة لأنها رفضت الانصياع للغزو العربي للشمال الافريقي وواجهته بإصرار واعتمدت سياسة الارض المحروقة التي اثارت عليها الموالين للعرب من القبائل الامازيغية في افريقية وهي الحادثة التي يذكرها النويري في نهاية الارب فيقول أن الكاهنة قالت لقومها: " إن العرب يريدون البلاد والذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعي، ولا أرى إلا خراب إفريقية حتى ييأسوا منها. وفرقت أصحابها ليخربوا البلاد فخربوها، وهدموا الحصون، وقطعوا الأشجار ونهبوا الأموال. قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: وكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلاً واحداً وقرى متصلة، فأخربت ذلك. فلما قرب حسان من البلاد، لقيه جمع من أهلها من الروم يستغيثون به من الكاهنة. فسره ذلك. وسار إلى قابس. فلقيه أهلها بالأموال والطاعة، وكانوا قبل ذلك يتحصنون من الأمراء. فجعل فيها غلاماً وسار على قفصة فأطاعه من بها واستولى عليها وعلى قسطيلية ونفزاوة."
خلفت داهيا/الكاهنة، قائدة قبيلة الجراوة اليهودية كما يقول ابن خلدون، كسيلة في زعامة الامازيغ وحربهم لتحرير ارضهم وصون كرامة قبائلها. انظم اليها الامازيغ البرنس والبتر الثائرين على الغزو العربي الاستعماري " وقد ضوي إليها بنو يفرن ومن كان بإفريقية من قبائل زناتة وسائر البتر " فتمكنت من بسط نفوذها على افريقية ونوميديا والانتصار على حسان بن نعمان من سنة 69 هـ حتى مقتلها في جبال الأوراس سنة 83هـ/701م والتي يقول ابن الاثير في تاريخه الكامل المجلد الرابع صفحة 471 حول قوة نفوذها ومكانتها: " وقد اجتمع حولها البربر بعد قتل كسيلة، فسأل أهل افريقية عليها فعظموا محلها وقالوا: إن قتلتها لم تختلف البربر بعدها عليك".
المثير ان الكاهنة تماما ككسيلة بعد هزيمة حسان وفراره الى برقة لم تقتل من بقي من انصاره ولما دخلت القيروان لم تلحق أي ضرر بها ولا بمتساكنيها لنسأل ثانية من أي معين كانت الكاهنة تستمد التسامح والرحمة مع المخالفين لها وأنصار اعداءها بل وأعداءها ذاتهم حيث اطلقت سراح اسراها من العرب الغزاة وتبنت احدهم. ذكرهم ابن الاثير في ذات ألصفحة : " فالتقوا على (نهر نيني) واقتتلوا أشد قتال رآه الناس فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير وانهزم حسان وأسر منهم جماعة كثيرة أطلقتهم الكاهنة سوى خالد ابن يزيد القيسي وكان شريفا شجاعا فاتخذته ولدا "؟

لتحقيق غايات بعثته منح عبد الملك حسانا مال مصر المستعمرة العربية والتي قال فيها عمر بن الخطاب "أخرب الله مصر في عمار المدينة وصلاحها" لا مالا من خزينة دولته قائلا له حسب ما ورد في نهاية الارب (416/6) : "إني قد أطلقت يدك في أموال مصر، فاعط من معك ومن ورد عليك من الناس، واخرج إلى جهاد إفريقية على بركة الله" ونقرأ عن ابن الأثير في تاريخه الكامل: إنه استعمله في سنة أربع وسبعين بعد مقتل عبد الله بن الزبير(عند ابن عبد الحكم سنة 73هـ). وقال ابن الرّقيق إنه ندبه إلى إفريقية في سنة تسع وستين. قال: فدخل إفريقية بجيش عظيم ما دخلها مثله قط. فدخل القيروان وتجهز منها إلى قرطاجنّة."
على نقيض سلوك الكاهنة مع الامازيغ الموالين للعرب ومن بقي من العرب بالقيروان، في عمله العسكري في افريقية لم يشذ حسان عن سيرة من سبقه من قادة. نقرا في نهاية الارب أنه "لما دخل حسان إلى القيروان سأل عن أعظم ملك بقي بإفريقية. فقيل له: صاحب قرطاجنة، وهي بلدة عظيمة، ولم تفتح بعد، ولا قدر عليها عقبة. فسار إليها. وقاتل من بها من الروم والبربر أشد قتال. فانهزموا وركبوا في البحر. وسار بعضهم إلى صقلية وبعضهم إلى الأندلس ودخل حسان قرطاجنة بالسيف فقتل وسبي ونهب. وأرسل الجيوش إلى ما حولها. ثم أمر بهدمها فهدم المسلمون منها ما أمكنهم. ثم بلغه أن الروم والبربر قد اجتمعوا في صطفورة وبنزرت. فسار إليهم وقاتلهم، فهزمهم وأكثر القتل فيهم واستولى المسلمون على بلادهم. ولم يترك موضعاً منها حتى وطئه. فخافه أهل إفريقية خوفاً شديداً. ولجأ المهزمون من الروم إلى مدينة باجة فتحصنوا بها وتحصن البربر بمدينة بونة. وعاد حسان إلى القيروان فأقام بها حتى أراح واستراح."
لم يعرض حسان كمن سبقه الاسلام او الجزية او الحرب بل سارع الى اعمال السيف والقتل في سبيل السلب والنهب ويؤكد ذلك البلاذري بقوله " إن حسان غزاها ثانية فقتلها وسبى سباً من البربر، وبعث به إلى عبد العزيز. فكان أبو محجن نصب الشاعر يقول: "لقد حضرت عند عبد العزيز سبياً من البربر ما رأيت قط وجوهاً أحسن من وجوهم"
بعد القضاء على ثورة الكاهنة "بطل النزاع واستقامت إفريقية له". ولما عزله عبد العزيز بن مروان قدم اليه وأهداه " مائتي جارية ووصيف من خيار ما كان معه ويقال: إن حسان كان معه من السبي خمسة وثلاثون ألف رأس " فهل هذا العدد من "الرؤوس" ينضوي ضمن نشر الدعوة الدينية ام العمل العسكري الاستعماري التوسعي؟
ثم تذكر المصادر انه لما قدم بين يدي الخليفة الوليد قال لمن معه :" ائتوني بالقرب. فأتي بها فأفرغها بين يدي الوليد. فرأى ما أذهله من أصناف الجوهر واللؤلؤ والذهب. فقال حسان: يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهداً في سبيل الله، ولم أخن الله تعالى ولا الخليفة" لنسأل آن لم يخالف حسان امر الله فمن اين اتى بكل هذه الغنائم؟ أليست اسلابا من افريقية ونوميديا اخذها عنوة من اهلها تحت حد السيف؟ ام انه علينا القبول بأنه يحق في جهاد الطلب كل تجاوز وكل تعد دون أي اعتراف بوحشية المجاهد لأن الاخر المسلوب ليس سوى كافرا مخالفا لشرع اله الخليفة يمكن امتهانه والتعدي عليه دون أية ضوابط اخلاقية؟
ما قدمه حسان للوليد دفع هذا الاخير ليطلب من قائده، الذي قدم غنيمة مذهلة لم يكن يتوقعها، العودة لنهب وسلب أكبر وأمام رفضه كلف موسى بن نصير ملك السبي في التاريخ العربي بالرحيل للشمال الافريقي لفتح البلاد المفتوحة (تونس التي كان قد وقع فتحها مرار قبل زهير بن قيس)؟
هل فتح البلاد المفتوحة شرعي وموافق للنص القرآني الذي يقول " فإن جنحوا للسلم فاجنح لها" "لآ ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم و تقسطوا اليهم." وقد رأينا ان اهل افريقية قبلوا بحسان ومنحوه مالهم لمحاربة الكاهنة واستقام له الامر بينهم وترك بينهم بعد عزله "ابا صالح" خليفة له فعزله موسى بن نصير سنة 83هـ الذي صارت في عهده افريقية ولاية مستقلة عن مصر استمر حكمه لها لسنة 95(هـ)؟
عند قدومه " بلغه أن بأطراف إفريقية قوماً خارجين عن الطاعة. فوجه إليهم ابنه عبد الله فقاتلهم وظفر بهم. وأتاه بمائة ألف رأس من سبيهم. ثم وجه ولده مروان إلى جهة أخرى، فأتاه بمائة ألف رأس. ثم توجه هو بنفسه إلى جهة أخرى فأتي بمائة ألف رأس. قال الليث بن سعد: فبلغ الخمس يومئذ ستين ألف رأس ولم يسمع بمثل هذا في الإسلام." نهاية الارب.
وفي فتوح مصر:" حدثنا عبدالملك بن مسلمة حدثنا الليث بن سعد أن موسى بن نصير حين غزا بعث ابنه مروان عل جيش فأصاب من السبي مائة ألف وبعث ابن أخيه في جيش أخر فأصاب مائة ألف فقيل لليث بن سعد من هم فقال البربر فلما أتى كتابه بذلك قال الناس ابن نصير والله أحمق من أين له عشرون ألفا يبعث بها إلى أمير المؤمنين في الخمس فبلغ ذلك موسى بن نصير فقال ليبعثوا من يقبض لهم عشرين ألفا"
وكان موسى قد سن قانونا حربيا سبقه اليه حسان بن نعمان يتمثل في اخذ رهائن بشرية ممن يسالمونه يقوم بقتلهم لو خرجوا من طاعته فنقرا عن ابن عذارى :" إلى قبائل من البربر فلم يلق حرباً منهم فرغبوا في الصلح منه فوجه رؤساءهم إلى موسى بن نصير فقبض رهونهم... لما حمل أبو مدرك زرعة بن أبي زرعة رهائن المصامدة جمعهم موسى مع رهائن البربر الذين أخذهم إلى أفريقية والمغرب" فهل هذا الرهن من بين اسس نشر الدين بين الامازيغ قام به مجاهد في سبيل ربه تقي وورع؟
ويقول ابن قتيبة الدينوري المتوفي سنة 276 هـ في كتابه :الامامة والسياسة في فتح زغوان " فوجه لهم موسى خمس مئة فارس عليهم رجل من خشين يقال له عبد الملك فقاتلهم فهزمهم الله و قتل صاحبهم ورقطان ,و فتحها الله على يد موسى ,فبلغ السبي يومئذ عشرة آلاف رأس ,وانه كان أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى ,ثم وجه ابنا له يقال له :عبد الرحمن بن موسى الى بعض نواحيها فأتاه بمئة ألف رأس ثم وجه ابنا له يقال له مروان فاتاه بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين ألف رأس"
ويقول ايضا في سبي موسى ابن نصير " قال : و ذكروا أن موسى بن نصير كتب الى عبد العزيز بن مروان بمصر يخبره بالذي فتح الله عليه ,وأمكن له , و يعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا و كان ذلك وهما من الكاتب ,فلما قرأ عبد العزيز الكتاب ,دعا الكاتب و قال له :ويحك !اقرا هذاالكتاب ,فلما قرأه قال هذا وهم من الكاتب فراجعه فكتب آليه عبد العزيز :انه بلغني كتابك و تذكر فيه أن قد بلغ خمس ما أفاه الله عليك ثلاثين ألف رأس ,فاستكثرت ذلك , وظننت أن ذلك وهم من الكاتب ,فاكتب الي بعد ذلك على حقيقة ,واحذر الوهم ,فلما قدم الكتاب على موسى كتب اليه بلغني أن الأمير أبقاه الله يذكر أنه استكثر ما جاءه من العدة,التي أفاه الله علي ,و أنه ظن أن ذلك وهم من الكاتب,فقد كان ذلك وهما على ما ظنه الأمير , الخمس أيها الأمير ستون ألفا حقا ثابتا بلا وهم .قال :فلما أتى الكتاب الى عبد العزيز و قرأه ملأه سرورا."
ويقول في سبي هوارة و زناتة و كتامة " وذكروا أن موسى أرسل عياش بن أخيل الى هوارة و زناتة في الف فارس فأغار عليهم و قتلهم و سباهم ,فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس و كان عليهم رجل منهم يقال له كمامون فبعث به موى الى عبد العزيز في وجوه الأسرى,فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة فسميت بركة كمامون"

لماذا اهملت كل النصوص العربية ان تذكر انه دعى الى الاسلام بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة قبل كل حرب يشنها في حين تذكر بالتفصيل السبي والنهب وعدد الرؤوس المجموعة كما لو ان ما تقدمه هو سيرة مافيا منظمة وقطاع طرق بعد ان يضمنوا خضوع الجماعة المنهزمة لهم يضعون من يعلمهم عقائدهم كواجب عسكري لا دعوي عقائدي سلمي في عدد ضئيل جدا بالمقارنة مع عدد القبائل والمدن المنتهكة والمسلوبة حيث نقرأ في نهاية الارب:"ترك موسى بن نصير سبعة عشر رجلاً من العرب يعلمونهم القرآن وشرائع الإسلام ثم اية شرائع هذه التي سيعلمها الغازي المنتصر لشعب مستعمر ومهان سبيت نساءه وجرد من ثرواته؟
في فتوح مصر وأخبارها تصدمنا الكلمات المستعملة ك" وطئ وسبى وغنم و بث السرايا" لذكر عدوانية موسى في انتهاكه للقبائل المهزومة. لما نقرا :"أن موسى بن نصير خرج من أفريقية غازيا إلى طنجة وهو أول من نزل طنجة من الولاة وبها من البربر بطون من البتر والبرانس ممن لم يكن دخل في الطاعة فلما دنا من طنجة بث السرايا فانتهت خيله إلى السوس الأدنى فوطئهم وسباهم وأدوا إليه الطاعة وولى عليهم واليا أحسن فيهم السيرة ووجه بسر بن أبي أرطأة إلى قلعة من مدينة القيروان على ثلاثة أيام فافتتحها وسبى الذرية وغنم الأموال" ألا نلاحظ ان الغاية الفعلية كانت الاستعمار وفرض الطاعة عبر الانتهاك المادي والجسدي للشعوب المسلوبة؟
هل يمكن اعتبار غزو موسى بن نصير للشمال المغربي فتحا مبينا وقد كان يأخذهم على حين غرة وهم لا يشعرون بمقدمه فيقتل ويسبي وهل نشر الدين يكون بالهجوم الفجائي على المدن الامنة لكي نجعل من فعله الاجرامي عملا دعويا غايته نشر الدين :"وذكروا أن الجواسيس أتوا موسى، فقالوا له: إن صنهاجة بغرة منهم وغفلة، وإن إبلهم تنتج، ولا يستطيعون براحا، فأغار عليهم موسى بأربعة آلاف من أهل الديوان، وألفين من المتطوعة، ومن قبائل البربر، وخلف عياشا على أثقال المسلمين وعيالهم بظبية في ألفي فارس، وعلى مقدمة موسى عياض بن عقبة، وعلى ميمنته المغيرة بن أبي بردة، وعلى ميسرته زرعة بن أبي مدرك، فسار موسى حتى غشي صنهاجة، ومن كان معها من قبائل البربر، وهم لا يشعرون، فقتلهم قتل الفناء، فبلغ سبيهم يومئذ مئة ألف رأس، ومن الإبل والبقر والغنم والخيل والحرث والثياب ما لا يحصى، ثم انصرف قافلا إلى القيروان، وهذا كله في سنة ثمانين فلما سمعت الأجناد بما فتح الله على موسى وما أصاب معه المسلمون من الغنائم رغبوا في الخروج إلى الغرب، فخرج نحو مما كان معه، فالتقى المغيرة وصنهاجة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الله منحه أكتافهم وهزمهم، فبلغ سبيهم ستين ألف رأس ثم انصرف قافلا"ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة ، باب موسى بن نصير؟
بماذا نفسر الفعل العسكري لموسى ابن نصير الذي كان "إذا سار إلى مكان تحمل الأموال معه على العجل لكثرتها وعجز الدواب عنها" (البداية والنهاية) والذي عاد لأفريقية بعد غزو فاندالوسيا/ اسبانيا"وهو راكب على بغل اسمه كوكب وهو يجر الدنيا بين يديه جرا، أمر بالعجل تجر أوقار الذهب والجواهر والتيجان والثياب الفاخرة ومائدة سليمان، ثم استخلف ولده بإفريقية، وأخذ معه مائة من رؤوس البربر، ومائة وعشرين من الملوك وأولادهم، وقدم مصر في أبهة عظيمة" تاريخ الإسلام - الذهبي - ج ٦ - الصفحة ٤٨٧؟؟
وبما نفسر ما قام به رجاله الذين ارسلهم الى جزيرة سردانية حيث "كان بعضهم يذبح الهرّ، ويرمي ما في جوفه، ويملأه دنانير، ويخيط عليها، ويلقيه في الطريق. فإذا خرج أخذه. وكان يضع قائم سيفه على الجفن ويملأه ذهباً. فلما ركبوا في البحر سمعوا قائلاً يقول: اللهم غرّقهم. فغرقوا عن آخرهم" وكيف يستجيب هذا الاله الذي دعاه اهل سردانية فيغرق الغزاة العرب الذين قدموا لإعلاء رايته ونشر دينه؟

هل يمكن القبول بعمل موسى العسكري في افريقية كفعل فتح ديني مبين لبلاد مفتوحة ام غزو همجي استعماري لجمع اكبر عدد ممكن من الثروات والعبيد والسبايا في بلدان كانت لها حضاراتها ولغاتها الخاصة التي تختلف جذريا عن العربية؟
لما دخل العرب مصرا سنة 18 و 19 هـ (640م- 639م) وحتى السيطرة عليها بالكامل سنة 642م لم يكن بين ايديهم كتاب مقدس ولم يكن الاقباط ومن استوطن مصر من الرومان يفقهون اللغة العربية ثم لما استتب لهم الامر في مصر وانطلقوا الى افريقية (تونس) في عدد كبير من الغزوات تفوق ال360 غزوة بداية من سنة 27 هـ (647) م مع العبادلة السبعة لم يرسلوا فقهاء او دعاة او معلمين يفقهون الشعوب التي يريدون نشر دينهم فيها في لغتهم ودينهم.
لم يكن اهل الشمال الافريقي (ليبيا وافريقية البروقنصلية والجزائر والمغرب) يفهمون لغة الغزاة التي لم تتحول الى لغة رسمية إلا بعد زمن طويل. كانت لغة البلاط هي اللغة الامازيغية المحلية رغم انه وجد من بين امراء هذه الممالك شعراء وخطباء ينظمون ادبهم باللغة العربية في فترة الدولة الفاطمية والصنهاجية والحفصية -- التي مع انها بلغت مقام الخلافة وبايعها اهل الاندلس والجزائر والسودان والحجاز الا ان لغة البلاط فيها كانت الامازيغية الهنتاتية والاسبانية البلنسية--.
تطور اللغة في الشمال الافريقي مر بثلاث مراحل حسبما يذكر عثمان الكعاك
1) من اوائل القرن الثاني حتى نهاية القرن الثالث هجري كانت كل التصانيف في السير والطبقات باللغة الامازيغية.
2) من اوائل القرن الرابع وحتى نهاية القرن السادس هجري ومع ظهور الدولة الزيرية بتونس والحمادة بالجزائر وقع الجمع بين اللغتين الامازيغية والعربية في المصنفات.
3) آخيرا المرحلة العربية بداية من القرن السابع الهجري الموافق للقرن 13 الميلادي حيث صار الكتاب يعتمدون اللغة العربية مع اقحام بعض المصطلحات الامازيغية.
تقول المصادر الاسلامية ان الامازيغ دخلوا في الاسلام افواجا منذ "فتوحات" عقبة ابن نافع (1ق.ه – 63ه) الاولى في عهد معاوية والثانية في عهد ابنه يزيد ثم اسلموا مع كل غزو جديد ولنا ان نسأل هنا كيف تم ذلك واللغة كما رأينا لم تتحول الى عربية في بلاطات الحكام الا في القرن السابع هـ؟
ثم هل الامازيغ الذين تحولوا فجأة الى مسلمين مستعربين مشكلين بذلك معسكرا اسلاميا قويا تولى فتح اسبانيا كانوا يحملون في فتوحاتهم قرآن عثمان ويقرؤونه بالعربية ويؤدون طقوس الصلاة الاسلامية بعربية لم تكن رسمية في بلاط القادة والحكام ولم يكن يستعملها الفقهاء والخطباء في بلاطات الممالك الاسلامية التي قامت على ارض افريقية؟
بما انه لا توجد مصادر اجنبية يمكن ان نستمد منها تاريخ تلك الفترة من تاريخ شمال افريقيا فهل علينا القبول بواقع انها كانت وحشية وعدوانية وبذلك تسقط هالات القداسة الوهمية للاسلام كدين تسامح ومحبة ولمن قام بنشره في البلدان المستعمرة من "فاتحين مجاهدين ابرارا وأتقياء" ام اننا مضطرون لحفظ ماء الوجه في سبيل تنزيه الاسلام وتأكيد صدق تعريف محمود شيت لمنطق الحرب في الإسلام.: " لم يكن المسلمون الطرف الأول الذي يبدأ الهجوم إلا أنهم يحاربون حين إضطروا ذلك من ناحية أخري المسلمون لا يفعلون في حروبهم أعمالاً لا يليق بالشرف الإسلامي والعسكري بل يتبعون المعاهدات ولا يخونونها وينصرون المرضي والمجروحين ويعتنون بان لا يضروا بالأطفال والكهول من المدنيين" للتشكيك بما ورد في النصوص العربية التي الفت في قصور العباسيين في نهاية القرن الثامن والقرن التاسع حسب ما روي مشافهة بما فيه من اسقاطات ومن اعمال للخيال تماما كرويات الف ليلة وليلة وصيغة خطب عصماء نسبت لقادة الغزو الاسلامي وبكرامات كانوا يتمتعون بها والتي جعلت الامازيغ يتبعونهم ويؤمنون بدينهم دون ان يكون هناك أي تواصل لغوي بينهم او تقارب في المعتقدات أو الثقافة ومحاكمة الطبري وابن الاثير وابن عبد الحكم وغيرهم ممن كتب تاريخ الاعمال العسكرية لهؤلاء الغزاة والذين لم يقولوا ابدا ان انتشار الاسلام كان بالكلمة الحسنة والدعوة السلمية بل اغرقوا في تفاصيل مخجلة للسلب والنهب وللسبي وعدد رؤوس العبيد كما لو ان الاقوام الاخرى التي انتهكوها كانت حيوانات؟؟
نحن لا نحارب الاديان بل نسعى الى قراءة تاريخ شعوبنا بحيادية لنتصالح مع الماضي ونقدر ان نستمر في توافق ومواطنة تمنح كل الاطياف حق المشاركة في بناء الوطن مهما اختلفنا بعد اسقاط هالات التقديس لكل قائد يعتبره البعض "رمزا" مر على ارضنا او ساهم في خط تاريخها ونسب هالات قدسية له رغم وضوح فعله الاجرامي في حق الاخرين.
نشر الاسلام في الشمال الافريقي كان عملا استعماريا عنيفا استباح كل القيم الانسانية وعرب بحد السيف اهله ومن حق من يرفضه كعقيدة ان يتمتع بحق المواطنة والمشاركة في القرار. على المتطرفين وأصحاب الرأي الواحد أن يكلفوا انفسهم عناء القراءة قليلا ليطلعوا على تاريخهم المدون في كتبهم وعليهم ان يفهموا أخيرا ان الدين لله وان الوطن للجميع ولا يحق لأي احد تحت اي مسمى ان يفرض عقائده على الاخرين كما حدث قديما بالسيف والنار والسلب والسبي فالإنسانية بلغت حدا من الحضارة والتقدم المعرفي يمكنها من كشف التزوير والمغالطات ويؤمِّن حق الحرية الفردية التي لا يجوز بأي حال وضعها في المرتبة الثانية مقابل الحريات العامة التي تجعل منا قطيع يأتمر بأمر الملالي والفقهاء.
وطننا لنا جميعا مهما كانت قناعتنا الدينية والفكرية ومهما تعددت الوان الطيف التي نشكلها.

دمتم بخير وسلام - See more at: http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=307318#sthash.zp7dp31H.dpuf

لن يقدر اي مؤمن بشرعية الجهاد في سبيل الله وضرورة فعل "الفتح الإسلامي لنشر الدين ان يثبت ان عقبة ومن سبقه وقفوا امام الشعوب التي استباحوها باسم الدين عارضين الاسلام او الجزية او الحرب كما يؤكد النص التشريعي الاسلامي لأن كل المراجع تؤكد ان كل ما فعلوه هو الانقضاض على المدن الآمنة ومقاتلتها وجمع اكبر غنيمة ممكنة من مال وعبيد وسبايا ثم الرحيل السريع الى غيرها او التراجع لاستجماع القوى للانقضاض من جديد دون اي تفاعل مع اهل هذه المدن المنكوبة او البقاء فيها لتضميد الجراح بكلمة قدسية تفسر فعلهم الشنيع بعد تحقيق غاية الغزو.
مصرعه في تهودة كان نهاية طبيعية لتجاوزاته وانتهاكه لشعب سالم دينارا لسبع سنوات وساعده لكنه ثار وأبى الانصياع لغطرسة عقبة وامتهانه له وهنا نسأل لماذا لم يسعى جنده الذين سبقوه الى القيروان بمساعدة من كان في افريقية من اتباعه للانتقام له لما طالبهم زهير بن قيس البلوي بذلك؟ هل كان خروجهم السريع، بزعامة حنش الصنعاني قائد دينار على شبه جزيرة شريك الافريقية بين سوسة وتونس وجبل زغوان، لمصر حفاظا على ما جمعوه من غنائم ام لعدم قناعتهم بشرعية قضية قائدهم بعد ان فقدوا معه خلال حروبهم الالاف من رفاقهم دون ان يتركوا اي اثر لهم في اي من المدن التي حاربوها ام بسبب التعب الذي لحق بهم بعد طول طواف على مدن الشمال الافريقي كما تذكر المراجع؟
بعد مقتل عقبة ورحيل جنده لمصر رحل زهير بن قيس البلوي وأقام في برقة (أقام في مصر حسب فتوح مصر لابن عبد الحكم الى ان امره عبد العزيز بن مروان بالذهاب لحرب الروم الذين هاجموا برقة "وانزلوا بها من الفساد شيئا كثيرا") في حين استرجع الامازيغ ارضهم و صارت القيروان عاصمة ملك كسيلة الذي استمرت فترة حكمه لافريقية ونوميديا خمس سنوات اسس خلالها مملكة امازيغية تشمل الاوراس والجزء الجنوبي من قسنطينة والجزء الاكبر من افريقية..
سلوك كسيلة ازاء أسرى تهودة ومن بقي من اتباع عقبة وزهير بن قيس في القيروان يبرز طبيعة طبيعة الامازيغ المسالمة ورغبتهم في اعادة الامن والسلام لموطنهم، فهم قد ساندوا ابا المهاجر دينار كما فعلوا مع الفنيقيين قديما ومع الونداليين ضد روما التي كانت بعض قبائلهم المستقلة والتي رفضت الرومنة ورحلت الى المناطق الداخلية لما سلبت مراعيها ومزارعها تتربص بحامياتها ومدنها الافريقية فيهاجمونها انتقاما ودفاعا عن بلادهم كلما سنحت لهم الفرصة لذلك، رغم ان روما لم تستعبدهم بل منحت من والاها منهم امكانية ان يكون امبراطورا في بلاط روما مركز الحكم.
باستثناء مساندتهم لدينار وقفوا بشراسة امام الغزو العربي في كل مراحله السابقة واللاحقة لأنه انتهك حرماتهم وسلب ارزاقهم وهدد امنهم. لكن ما ان حرروا بلادهم من التواجد العسكري العربي برحيل زهير ومقتل عقبة وبدل الانتقام من الاعداء وأنصارهم بعد النصر الكبير الذي حققه، اطلق كسيلة محمد بن أوس الانصاري وبقية أسرى تهودة بناء على طلب صاحب قفصة كما أمّن من بقي من الموالين لعقبة في القيروان في حين كان قادرا على تصفيتهم نظرا لعدد من كان معه من الموالين له ومن انصاره من الروم. نقرا في نهاية الأرب في فنون الأدب.. النويري وابن الاثير اسد الغابة الجزء الرابع."وأما كسيلة فاجتمع إليه جمع كبير فقصد القيروان وبها أصحاب الأثقال والذراري من المسلمين. فطلبوا الأمان من كسيلة فأمنّهم. ودخل القيروان واستولى على إفريقية. وأقام بها إلى أن قوي أمر عبد الملك بن مروان."
لما نقرأ في بعض المصادر التي تمتدح قادة الغزو العربي مؤكدة انهم كانوا ينهلون من معين النص التشريعي الاسلامي السمح نسأل مما كان ينهل كسيلة الامازيغي المرتد كما تصفه المصادر الاسلامية؟
لكن لأن البقاء للأقوى استقلال افريقية لم يدم طويلا اذ ما ان أخمد عبد الملك بن مروان الاضطرابات الداخلية حتى ارسل زهيرا (69هـ/689م) للانتقام لمقتل قائده عقبة وإعادة احتلال شمال افريقيا.
في نهاية الارب نقرأ " فلما وصل ذلك إليه أقبل إلى إفريقية في عسكر عظيم وذلك في سنة تسع وستين. فبلغ خبره كسيلة فجمع البربر وتحول عن القيروان إلى ممش. وجاء زهير فأقام بظاهر القيروان ثلاثة أيام حتى استراح وأراح. ثم رحل إلى كسيلة. والتقيا واشتد القتال وكثر القتل في الفريقين. فأجلت الحرب عن قتل كسيلة وجماعة من أصحابه. وانهزم من بقي منهم. فتبعهم الجيش فقتلوا من أدركوه."
ساعد زهير في معركته مع كسيلة ومن والاه من القبائل الامازغية من جهة نقض الروم لعهدهم للقائد الامازيغي لأنهم ارادوا ان يتخلصوا من احدهم ليسهل عليهم محاربة الثاني وبذلك يسترجعون سلطانهم على افريقية حسب ما اورده المالكي في رياض النفوس ومن جهة أخرى مساندة بعض القبائل المحلية التي وجدت في العرب نصيرا لها ضد الروم والقبائل المسيحية كما وجدت ان مشاركتها لهم تمتعها بالاشتراك في الاسلاب. مما يعني ان الدافع لم يكن اعتناقهم الاسلام بقدر ما هو الرغبة في الكسب المادي عبر الاشتراك في الحروب والأسلاب الى جانب العداء للمستعمر القديم الموالي لكسيله الذي كان مسيحيا وعلى صلة ولاء مع روم بيزنطة.
بعد مقتل كسيلة والقضاء على مقاومة البرنس نهائيا بقتل كل من فر منهم الى الجبال طلبا للنجاة عاد زهير الى برقة لمحاربة الروم الذين يترصدون به هناك. نجد في تاريخ البلاذري " فتح تونس ثم انصرف إلى برقة‏...‏ فبلغه أن جماعة من الروم خرجوا من مراكب لهم فعاثوا فتوجه إليهم في جريدة خيلٍ فلقيهم فاستشهد ومن معه."
فهل كان قدوم زهير الى افريقية للقضاء على ثورة الامازيغ بزعامة كسيلة فتحا مبينا غايته نشر الاسلام أم كان مجرد حملة انتقام لمقتل عقبة انسحب على اثرها زهير الى برقة دون ان يترك أي اثر له بافريقية ودون ان يكون فيها وال لحاكم مصر او القصر الاموي الحاكم في الفسطاط لانشغال عبد الملك بثورة الزبيريين؟
هل انسحاب زهير من افريقية كان نتيجة خوفه من تاثير بذخ العيش في افريقية على الرجل المجاهد الورع الذي كانه حسب تعليل المصادر الاسلامية وهو تعليل ضعيف اذ ان افريقية كانت دار حرب انعدم فيها الامان وبالتالي الرخاء الاقتصادي ثم ان القائد الورع يرابط على ابواب دار الحرب لنشر الدين فيها ولا يتركها للمدن الكبيرة حيث رفاهة العيش الفعلية، ام انه كان عزلا من طرف والي مصر عبد العزيز بن مروان الذي تذكر المصادر الاسلامية عداءه الكبير له وخلافة معه، ام انه كان في الحقيقة نتيجة الخوف من ثورة أمازيغية اخرى يمكن ان تقضي عليه كما حصل مع قائده عقبة فآثر السلامة والانسحاب لبرقة لأنه يعلم ان ما قام به كان له اثر سيء وعدواني في نفوس عموم الامازيغ ولأنه يعلم ايضا ان فعله العسكري في الشمال الافريقي -ان صح فعلا ما نقله كتبة السير والتاريخ العربي في القصر العباسي في نهاية القرن الثامن والقرن التاسع- لا علاقة له بنشر وهداية الكفار لدين تقول المصادر الاسلامية انه حارب تحت رايته بل كان توسعا استعماريا لصالح ملك لم تتعرب الدواوين إلا في عصره والتي تحمل اسمه ورسوما او احرفا تشير الى المسيح ولا تذكر لا الاسلام ولا المسلمين ، ملك لم يترك دليلا على وجود اسلام في عصره، بنى قبة الصخرة على شكل معبد النار المجوسي ووضع كتابات تمجد المسيح الذي يلقب باسم محمد رسول الله والتي مُحيت وغُيرت بعده بقرنين مزاوجا بين معتقداته اليهو-مسيحية والزرادشتية الفارسية التي نجد تأثيرها الكبير على جملة العبادات الاسلامية؟
توقف احتلال افريقية الى ان قضى عبد الملك على "عبد الله بن الزبير، فلما قتل ابن الزبير جهز عبد الملك حسان ابن النعمان إليها" في حملته الاولى -نهاية الارب- لكن حربه ضد الكاهنة لم تُثمر نصرا للعرب اذ تغلبت عليه وهزمته وتتبعه جيشها حتى اخرجوهم من " من عمل قابس ولحق حسان بعمل طرابلس " ابن خلدون المجلد 5 ص 128
ثورة الامازيغ ضد المستعمرين الجدد لم تتوقف اذ تذكر ذات النصوص العربية القديمة الكاهنة القائدة الامازيغية البترية بعد افول قوة البرنس التي جمعت من بقي ثائرا من بينهم ودافعت عن ارض اجدادها الى ان ماتت في سبيل تحريرها.
يسميها العرب حارقة البيوت المشعوذة لأنها رفضت الانصياع للغزو العربي للشمال الافريقي وواجهته بإصرار واعتمدت سياسة الارض المحروقة التي اثارت عليها الموالين للعرب من القبائل الامازيغية في افريقية وهي الحادثة التي يذكرها النويري في نهاية الارب فيقول أن الكاهنة قالت لقومها: " إن العرب يريدون البلاد والذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعي، ولا أرى إلا خراب إفريقية حتى ييأسوا منها. وفرقت أصحابها ليخربوا البلاد فخربوها، وهدموا الحصون، وقطعوا الأشجار ونهبوا الأموال. قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: وكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلاً واحداً وقرى متصلة، فأخربت ذلك. فلما قرب حسان من البلاد، لقيه جمع من أهلها من الروم يستغيثون به من الكاهنة. فسره ذلك. وسار إلى قابس. فلقيه أهلها بالأموال والطاعة، وكانوا قبل ذلك يتحصنون من الأمراء. فجعل فيها غلاماً وسار على قفصة فأطاعه من بها واستولى عليها وعلى قسطيلية ونفزاوة."
خلفت داهيا/الكاهنة، قائدة قبيلة الجراوة اليهودية كما يقول ابن خلدون، كسيلة في زعامة الامازيغ وحربهم لتحرير ارضهم وصون كرامة قبائلها. انظم اليها الامازيغ البرنس والبتر الثائرين على الغزو العربي الاستعماري " وقد ضوي إليها بنو يفرن ومن كان بإفريقية من قبائل زناتة وسائر البتر " فتمكنت من بسط نفوذها على افريقية ونوميديا والانتصار على حسان بن نعمان من سنة 69 هـ حتى مقتلها في جبال الأوراس سنة 83هـ/701م والتي يقول ابن الاثير في تاريخه الكامل المجلد الرابع صفحة 471 حول قوة نفوذها ومكانتها: " وقد اجتمع حولها البربر بعد قتل كسيلة، فسأل أهل افريقية عليها فعظموا محلها وقالوا: إن قتلتها لم تختلف البربر بعدها عليك".
المثير ان الكاهنة تماما ككسيلة بعد هزيمة حسان وفراره الى برقة لم تقتل من بقي من انصاره ولما دخلت القيروان لم تلحق أي ضرر بها ولا بمتساكنيها لنسأل ثانية من أي معين كانت الكاهنة تستمد التسامح والرحمة مع المخالفين لها وأنصار اعداءها بل وأعداءها ذاتهم حيث اطلقت سراح اسراها من العرب الغزاة وتبنت احدهم. ذكرهم ابن الاثير في ذات ألصفحة : " فالتقوا على (نهر نيني) واقتتلوا أشد قتال رآه الناس فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير وانهزم حسان وأسر منهم جماعة كثيرة أطلقتهم الكاهنة سوى خالد ابن يزيد القيسي وكان شريفا شجاعا فاتخذته ولدا "؟

لتحقيق غايات بعثته منح عبد الملك حسانا مال مصر المستعمرة العربية والتي قال فيها عمر بن الخطاب "أخرب الله مصر في عمار المدينة وصلاحها" لا مالا من خزينة دولته قائلا له حسب ما ورد في نهاية الارب (416/6) : "إني قد أطلقت يدك في أموال مصر، فاعط من معك ومن ورد عليك من الناس، واخرج إلى جهاد إفريقية على بركة الله" ونقرأ عن ابن الأثير في تاريخه الكامل: إنه استعمله في سنة أربع وسبعين بعد مقتل عبد الله بن الزبير(عند ابن عبد الحكم سنة 73هـ). وقال ابن الرّقيق إنه ندبه إلى إفريقية في سنة تسع وستين. قال: فدخل إفريقية بجيش عظيم ما دخلها مثله قط. فدخل القيروان وتجهز منها إلى قرطاجنّة."
على نقيض سلوك الكاهنة مع الامازيغ الموالين للعرب ومن بقي من العرب بالقيروان، في عمله العسكري في افريقية لم يشذ حسان عن سيرة من سبقه من قادة. نقرا في نهاية الارب أنه "لما دخل حسان إلى القيروان سأل عن أعظم ملك بقي بإفريقية. فقيل له: صاحب قرطاجنة، وهي بلدة عظيمة، ولم تفتح بعد، ولا قدر عليها عقبة. فسار إليها. وقاتل من بها من الروم والبربر أشد قتال. فانهزموا وركبوا في البحر. وسار بعضهم إلى صقلية وبعضهم إلى الأندلس ودخل حسان قرطاجنة بالسيف فقتل وسبي ونهب. وأرسل الجيوش إلى ما حولها. ثم أمر بهدمها فهدم المسلمون منها ما أمكنهم. ثم بلغه أن الروم والبربر قد اجتمعوا في صطفورة وبنزرت. فسار إليهم وقاتلهم، فهزمهم وأكثر القتل فيهم واستولى المسلمون على بلادهم. ولم يترك موضعاً منها حتى وطئه. فخافه أهل إفريقية خوفاً شديداً. ولجأ المهزمون من الروم إلى مدينة باجة فتحصنوا بها وتحصن البربر بمدينة بونة. وعاد حسان إلى القيروان فأقام بها حتى أراح واستراح."
لم يعرض حسان كمن سبقه الاسلام او الجزية او الحرب بل سارع الى اعمال السيف والقتل في سبيل السلب والنهب ويؤكد ذلك البلاذري بقوله " إن حسان غزاها ثانية فقتلها وسبى سباً من البربر، وبعث به إلى عبد العزيز. فكان أبو محجن نصب الشاعر يقول: "لقد حضرت عند عبد العزيز سبياً من البربر ما رأيت قط وجوهاً أحسن من وجوهم"
بعد القضاء على ثورة الكاهنة "بطل النزاع واستقامت إفريقية له". ولما عزله عبد العزيز بن مروان قدم اليه وأهداه " مائتي جارية ووصيف من خيار ما كان معه ويقال: إن حسان كان معه من السبي خمسة وثلاثون ألف رأس " فهل هذا العدد من "الرؤوس" ينضوي ضمن نشر الدعوة الدينية ام العمل العسكري الاستعماري التوسعي؟
ثم تذكر المصادر انه لما قدم بين يدي الخليفة الوليد قال لمن معه :" ائتوني بالقرب. فأتي بها فأفرغها بين يدي الوليد. فرأى ما أذهله من أصناف الجوهر واللؤلؤ والذهب. فقال حسان: يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهداً في سبيل الله، ولم أخن الله تعالى ولا الخليفة" لنسأل آن لم يخالف حسان امر الله فمن اين اتى بكل هذه الغنائم؟ أليست اسلابا من افريقية ونوميديا اخذها عنوة من اهلها تحت حد السيف؟ ام انه علينا القبول بأنه يحق في جهاد الطلب كل تجاوز وكل تعد دون أي اعتراف بوحشية المجاهد لأن الاخر المسلوب ليس سوى كافرا مخالفا لشرع اله الخليفة يمكن امتهانه والتعدي عليه دون أية ضوابط اخلاقية؟
ما قدمه حسان للوليد دفع هذا الاخير ليطلب من قائده، الذي قدم غنيمة مذهلة لم يكن يتوقعها، العودة لنهب وسلب أكبر وأمام رفضه كلف موسى بن نصير ملك السبي في التاريخ العربي بالرحيل للشمال الافريقي لفتح البلاد المفتوحة (تونس التي كان قد وقع فتحها مرار قبل زهير بن قيس)؟
هل فتح البلاد المفتوحة شرعي وموافق للنص القرآني الذي يقول " فإن جنحوا للسلم فاجنح لها" "لآ ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم و تقسطوا اليهم." وقد رأينا ان اهل افريقية قبلوا بحسان ومنحوه مالهم لمحاربة الكاهنة واستقام له الامر بينهم وترك بينهم بعد عزله "ابا صالح" خليفة له فعزله موسى بن نصير سنة 83هـ الذي صارت في عهده افريقية ولاية مستقلة عن مصر استمر حكمه لها لسنة 95(هـ)؟
عند قدومه " بلغه أن بأطراف إفريقية قوماً خارجين عن الطاعة. فوجه إليهم ابنه عبد الله فقاتلهم وظفر بهم. وأتاه بمائة ألف رأس من سبيهم. ثم وجه ولده مروان إلى جهة أخرى، فأتاه بمائة ألف رأس. ثم توجه هو بنفسه إلى جهة أخرى فأتي بمائة ألف رأس. قال الليث بن سعد: فبلغ الخمس يومئذ ستين ألف رأس ولم يسمع بمثل هذا في الإسلام." نهاية الارب.
وفي فتوح مصر:" حدثنا عبدالملك بن مسلمة حدثنا الليث بن سعد أن موسى بن نصير حين غزا بعث ابنه مروان عل جيش فأصاب من السبي مائة ألف وبعث ابن أخيه في جيش أخر فأصاب مائة ألف فقيل لليث بن سعد من هم فقال البربر فلما أتى كتابه بذلك قال الناس ابن نصير والله أحمق من أين له عشرون ألفا يبعث بها إلى أمير المؤمنين في الخمس فبلغ ذلك موسى بن نصير فقال ليبعثوا من يقبض لهم عشرين ألفا"
وكان موسى قد سن قانونا حربيا سبقه اليه حسان بن نعمان يتمثل في اخذ رهائن بشرية ممن يسالمونه يقوم بقتلهم لو خرجوا من طاعته فنقرا عن ابن عذارى :" إلى قبائل من البربر فلم يلق حرباً منهم فرغبوا في الصلح منه فوجه رؤساءهم إلى موسى بن نصير فقبض رهونهم... لما حمل أبو مدرك زرعة بن أبي زرعة رهائن المصامدة جمعهم موسى مع رهائن البربر الذين أخذهم إلى أفريقية والمغرب" فهل هذا الرهن من بين اسس نشر الدين بين الامازيغ قام به مجاهد في سبيل ربه تقي وورع؟
ويقول ابن قتيبة الدينوري المتوفي سنة 276 هـ في كتابه :الامامة والسياسة في فتح زغوان " فوجه لهم موسى خمس مئة فارس عليهم رجل من خشين يقال له عبد الملك فقاتلهم فهزمهم الله و قتل صاحبهم ورقطان ,و فتحها الله على يد موسى ,فبلغ السبي يومئذ عشرة آلاف رأس ,وانه كان أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى ,ثم وجه ابنا له يقال له :عبد الرحمن بن موسى الى بعض نواحيها فأتاه بمئة ألف رأس ثم وجه ابنا له يقال له مروان فاتاه بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين ألف رأس"
ويقول ايضا في سبي موسى ابن نصير " قال : و ذكروا أن موسى بن نصير كتب الى عبد العزيز بن مروان بمصر يخبره بالذي فتح الله عليه ,وأمكن له , و يعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا و كان ذلك وهما من الكاتب ,فلما قرأ عبد العزيز الكتاب ,دعا الكاتب و قال له :ويحك !اقرا هذاالكتاب ,فلما قرأه قال هذا وهم من الكاتب فراجعه فكتب آليه عبد العزيز :انه بلغني كتابك و تذكر فيه أن قد بلغ خمس ما أفاه الله عليك ثلاثين ألف رأس ,فاستكثرت ذلك , وظننت أن ذلك وهم من الكاتب ,فاكتب الي بعد ذلك على حقيقة ,واحذر الوهم ,فلما قدم الكتاب على موسى كتب اليه بلغني أن الأمير أبقاه الله يذكر أنه استكثر ما جاءه من العدة,التي أفاه الله علي ,و أنه ظن أن ذلك وهم من الكاتب,فقد كان ذلك وهما على ما ظنه الأمير , الخمس أيها الأمير ستون ألفا حقا ثابتا بلا وهم .قال :فلما أتى الكتاب الى عبد العزيز و قرأه ملأه سرورا."
ويقول في سبي هوارة و زناتة و كتامة " وذكروا أن موسى أرسل عياش بن أخيل الى هوارة و زناتة في الف فارس فأغار عليهم و قتلهم و سباهم ,فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس و كان عليهم رجل منهم يقال له كمامون فبعث به موى الى عبد العزيز في وجوه الأسرى,فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة فسميت بركة كمامون"

لماذا اهملت كل النصوص العربية ان تذكر انه دعى الى الاسلام بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة قبل كل حرب يشنها في حين تذكر بالتفصيل السبي والنهب وعدد الرؤوس المجموعة كما لو ان ما تقدمه هو سيرة مافيا منظمة وقطاع طرق بعد ان يضمنوا خضوع الجماعة المنهزمة لهم يضعون من يعلمهم عقائدهم كواجب عسكري لا دعوي عقائدي سلمي في عدد ضئيل جدا بالمقارنة مع عدد القبائل والمدن المنتهكة والمسلوبة حيث نقرأ في نهاية الارب:"ترك موسى بن نصير سبعة عشر رجلاً من العرب يعلمونهم القرآن وشرائع الإسلام ثم اية شرائع هذه التي سيعلمها الغازي المنتصر لشعب مستعمر ومهان سبيت نساءه وجرد من ثرواته؟
في فتوح مصر وأخبارها تصدمنا الكلمات المستعملة ك" وطئ وسبى وغنم و بث السرايا" لذكر عدوانية موسى في انتهاكه للقبائل المهزومة. لما نقرا :"أن موسى بن نصير خرج من أفريقية غازيا إلى طنجة وهو أول من نزل طنجة من الولاة وبها من البربر بطون من البتر والبرانس ممن لم يكن دخل في الطاعة فلما دنا من طنجة بث السرايا فانتهت خيله إلى السوس الأدنى فوطئهم وسباهم وأدوا إليه الطاعة وولى عليهم واليا أحسن فيهم السيرة ووجه بسر بن أبي أرطأة إلى قلعة من مدينة القيروان على ثلاثة أيام فافتتحها وسبى الذرية وغنم الأموال" ألا نلاحظ ان الغاية الفعلية كانت الاستعمار وفرض الطاعة عبر الانتهاك المادي والجسدي للشعوب المسلوبة؟
هل يمكن اعتبار غزو موسى بن نصير للشمال المغربي فتحا مبينا وقد كان يأخذهم على حين غرة وهم لا يشعرون بمقدمه فيقتل ويسبي وهل نشر الدين يكون بالهجوم الفجائي على المدن الامنة لكي نجعل من فعله الاجرامي عملا دعويا غايته نشر الدين :"وذكروا أن الجواسيس أتوا موسى، فقالوا له: إن صنهاجة بغرة منهم وغفلة، وإن إبلهم تنتج، ولا يستطيعون براحا، فأغار عليهم موسى بأربعة آلاف من أهل الديوان، وألفين من المتطوعة، ومن قبائل البربر، وخلف عياشا على أثقال المسلمين وعيالهم بظبية في ألفي فارس، وعلى مقدمة موسى عياض بن عقبة، وعلى ميمنته المغيرة بن أبي بردة، وعلى ميسرته زرعة بن أبي مدرك، فسار موسى حتى غشي صنهاجة، ومن كان معها من قبائل البربر، وهم لا يشعرون، فقتلهم قتل الفناء، فبلغ سبيهم يومئذ مئة ألف رأس، ومن الإبل والبقر والغنم والخيل والحرث والثياب ما لا يحصى، ثم انصرف قافلا إلى القيروان، وهذا كله في سنة ثمانين فلما سمعت الأجناد بما فتح الله على موسى وما أصاب معه المسلمون من الغنائم رغبوا في الخروج إلى الغرب، فخرج نحو مما كان معه، فالتقى المغيرة وصنهاجة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الله منحه أكتافهم وهزمهم، فبلغ سبيهم ستين ألف رأس ثم انصرف قافلا"ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة ، باب موسى بن نصير؟
بماذا نفسر الفعل العسكري لموسى ابن نصير الذي كان "إذا سار إلى مكان تحمل الأموال معه على العجل لكثرتها وعجز الدواب عنها" (البداية والنهاية) والذي عاد لأفريقية بعد غزو فاندالوسيا/ اسبانيا"وهو راكب على بغل اسمه كوكب وهو يجر الدنيا بين يديه جرا، أمر بالعجل تجر أوقار الذهب والجواهر والتيجان والثياب الفاخرة ومائدة سليمان، ثم استخلف ولده بإفريقية، وأخذ معه مائة من رؤوس البربر، ومائة وعشرين من الملوك وأولادهم، وقدم مصر في أبهة عظيمة" تاريخ الإسلام - الذهبي - ج ٦ - الصفحة ٤٨٧؟؟
وبما نفسر ما قام به رجاله الذين ارسلهم الى جزيرة سردانية حيث "كان بعضهم يذبح الهرّ، ويرمي ما في جوفه، ويملأه دنانير، ويخيط عليها، ويلقيه في الطريق. فإذا خرج أخذه. وكان يضع قائم سيفه على الجفن ويملأه ذهباً. فلما ركبوا في البحر سمعوا قائلاً يقول: اللهم غرّقهم. فغرقوا عن آخرهم" وكيف يستجيب هذا الاله الذي دعاه اهل سردانية فيغرق الغزاة العرب الذين قدموا لإعلاء رايته ونشر دينه؟

هل يمكن القبول بعمل موسى العسكري في افريقية كفعل فتح ديني مبين لبلاد مفتوحة ام غزو همجي استعماري لجمع اكبر عدد ممكن من الثروات والعبيد والسبايا في بلدان كانت لها حضاراتها ولغاتها الخاصة التي تختلف جذريا عن العربية؟
لما دخل العرب مصرا سنة 18 و 19 هـ (640م- 639م) وحتى السيطرة عليها بالكامل سنة 642م لم يكن بين ايديهم كتاب مقدس ولم يكن الاقباط ومن استوطن مصر من الرومان يفقهون اللغة العربية ثم لما استتب لهم الامر في مصر وانطلقوا الى افريقية (تونس) في عدد كبير من الغزوات تفوق ال360 غزوة بداية من سنة 27 هـ (647) م مع العبادلة السبعة لم يرسلوا فقهاء او دعاة او معلمين يفقهون الشعوب التي يريدون نشر دينهم فيها في لغتهم ودينهم.
لم يكن اهل الشمال الافريقي (ليبيا وافريقية البروقنصلية والجزائر والمغرب) يفهمون لغة الغزاة التي لم تتحول الى لغة رسمية إلا بعد زمن طويل. كانت لغة البلاط هي اللغة الامازيغية المحلية رغم انه وجد من بين امراء هذه الممالك شعراء وخطباء ينظمون ادبهم باللغة العربية في فترة الدولة الفاطمية والصنهاجية والحفصية -- التي مع انها بلغت مقام الخلافة وبايعها اهل الاندلس والجزائر والسودان والحجاز الا ان لغة البلاط فيها كانت الامازيغية الهنتاتية والاسبانية البلنسية--.
تطور اللغة في الشمال الافريقي مر بثلاث مراحل حسبما يذكر عثمان الكعاك
1)
من اوائل القرن الثاني حتى نهاية القرن الثالث هجري كانت كل التصانيف في السير والطبقات باللغة الامازيغية.
2)
من اوائل القرن الرابع وحتى نهاية القرن السادس هجري ومع ظهور الدولة الزيرية بتونس والحمادة بالجزائر وقع الجمع بين اللغتين الامازيغية والعربية في المصنفات.
3)
آخيرا المرحلة العربية بداية من القرن السابع الهجري الموافق للقرن 13 الميلادي حيث صار الكتاب يعتمدون اللغة العربية مع اقحام بعض المصطلحات الامازيغية.
تقول المصادر الاسلامية ان الامازيغ دخلوا في الاسلام افواجا منذ "فتوحات" عقبة ابن نافع (1ق.ه – 63ه) الاولى في عهد معاوية والثانية في عهد ابنه يزيد ثم اسلموا مع كل غزو جديد ولنا ان نسأل هنا كيف تم ذلك واللغة كما رأينا لم تتحول الى عربية في بلاطات الحكام الا في القرن السابع هـ؟
ثم هل الامازيغ الذين تحولوا فجأة الى مسلمين مستعربين مشكلين بذلك معسكرا اسلاميا قويا تولى فتح اسبانيا كانوا يحملون في فتوحاتهم قرآن عثمان ويقرؤونه بالعربية ويؤدون طقوس الصلاة الاسلامية بعربية لم تكن رسمية في بلاط القادة والحكام ولم يكن يستعملها الفقهاء والخطباء في بلاطات الممالك الاسلامية التي قامت على ارض افريقية؟
بما انه لا توجد مصادر اجنبية يمكن ان نستمد منها تاريخ تلك الفترة من تاريخ شمال افريقيا فهل علينا القبول بواقع انها كانت وحشية وعدوانية وبذلك تسقط هالات القداسة الوهمية للاسلام كدين تسامح ومحبة ولمن قام بنشره في البلدان المستعمرة من "فاتحين مجاهدين ابرارا وأتقياء" ام اننا مضطرون لحفظ ماء الوجه في سبيل تنزيه الاسلام وتأكيد صدق تعريف محمود شيت لمنطق الحرب في الإسلام.: " لم يكن المسلمون الطرف الأول الذي يبدأ الهجوم إلا أنهم يحاربون حين إضطروا ذلك من ناحية أخري المسلمون لا يفعلون في حروبهم أعمالاً لا يليق بالشرف الإسلامي والعسكري بل يتبعون المعاهدات ولا يخونونها وينصرون المرضي والمجروحين ويعتنون بان لا يضروا بالأطفال والكهول من المدنيين" للتشكيك بما ورد في النصوص العربية التي الفت في قصور العباسيين في نهاية القرن الثامن والقرن التاسع حسب ما روي مشافهة بما فيه من اسقاطات ومن اعمال للخيال تماما كرويات الف ليلة وليلة وصيغة خطب عصماء نسبت لقادة الغزو الاسلامي وبكرامات كانوا يتمتعون بها والتي جعلت الامازيغ يتبعونهم ويؤمنون بدينهم دون ان يكون هناك أي تواصل لغوي بينهم او تقارب في المعتقدات أو الثقافة ومحاكمة الطبري وابن الاثير وابن عبد الحكم وغيرهم ممن كتب تاريخ الاعمال العسكرية لهؤلاء الغزاة والذين لم يقولوا ابدا ان انتشار الاسلام كان بالكلمة الحسنة والدعوة السلمية بل اغرقوا في تفاصيل مخجلة للسلب والنهب وللسبي وعدد رؤوس العبيد كما لو ان الاقوام الاخرى التي انتهكوها كانت حيوانات؟؟
نحن لا نحارب الاديان بل نسعى الى قراءة تاريخ شعوبنا بحيادية لنتصالح مع الماضي ونقدر ان نستمر في توافق ومواطنة تمنح كل الاطياف حق المشاركة في بناء الوطن مهما اختلفنا بعد اسقاط هالات التقديس لكل قائد يعتبره البعض "رمزا" مر على ارضنا او ساهم في خط تاريخها ونسب هالات قدسية له رغم وضوح فعله الاجرامي في حق الاخرين.
نشر الاسلام في الشمال الافريقي كان عملا استعماريا عنيفا استباح كل القيم الانسانية وعرب بحد السيف اهله ومن حق من يرفضه كعقيدة ان يتمتع بحق المواطنة والمشاركة في القرار. على المتطرفين وأصحاب الرأي الواحد أن يكلفوا انفسهم عناء القراءة قليلا ليطلعوا على تاريخهم المدون في كتبهم وعليهم ان يفهموا أخيرا ان الدين لله وان الوطن للجميع ولا يحق لأي احد تحت اي مسمى ان يفرض عقائده على الاخرين كما حدث قديما بالسيف والنار والسلب والسبي فالإنسانية بلغت حدا من الحضارة والتقدم المعرفي يمكنها من كشف التزوير والمغالطات ويؤمِّن حق الحرية الفردية التي لا يجوز بأي حال وضعها في المرتبة الثانية مقابل الحريات العامة التي تجعل منا قطيع يأتمر بأمر الملالي والفقهاء.
وطننا لنا جميعا مهما كانت قناعتنا الدينية والفكرية ومهما تعددت الوان الطيف التي نشكلها.

دمتم بخير وسلام - See more at: http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=307318#sthash.zp7dp31H.dpuf

 

Ajouter un commentaire

×