محطات تاريخية لماتلين التونسية -مقدمة

محطات تاريخية لماتلين التونسية -مقدمة-بقلم الباحث حاتم سعيد

غلاف كتاب تاريخ الماتلين

 محطات تاريخية لماتلين التونسية

بقلم حاتم سعيد

توطئة
أردت في هذا الجزء السابع أن أعود فترة من الزمن إلى الوراء لأقدم جملة من النصوص لبعض الباحثين من أبناء منطقة الماتلين لتكريمهم و التعريف بهم لدى جيل الحاضر إيمانا مني بالتواصل بين الأجيال.
المرحوم : السيد عبد العزيز قلوز
المرحوم: الأستاذ حميّد جعفر
الدكتور:عز الدين قلوز
المهندس : محمد الناصر قلوز

 

 

الماتلين


أ-أصلها
هناك أقوال كثيرة حول أصل هذه التسمية جمعها الباحث عبد العزيز قلوز في دراسته (الماتلين ،أصل التسمية)


- تحريف (ربما) لكلمة " مثلين" نظرا لكون هذا البلد متكوّنا من قسمين متماثلين يكاد شكل إحداهما ينسيك شكل الآخر لولا وقوعهما على مستويين متباينين وهذا ما يحمل على الاعتقاد بأن الاسم عربي الأصل .
-تحريف (ربما) لكلمة "مادلين" التي هي اسم لقبيلة بربرية أسست منازل بتونس منها قصر مدنين.

 
-تحريف (ربما) لكلمة "الماء تالينا" أي الماء خلفنا قالها فيما يقال أحد أخوين عندما التحق بأخيه مسرعا ليبشره بعثوره في جهة خلفية على بقعة للاستيطان لوجود نقطة ماء بها .


-تحريف (ربما) لكلمة "مات لين أو مات ليون" قالها جماعة من المسلمين كانوا يعيشون تحت نير حاكم ظالم مستبد غير مسلم اسمه "لين أو ليون" و قد شاءت الأقدار أن تريحهم منه باغتياله من أحد منافسيه فلما بلغهم الخبر عمهم الفرح و السرور و صاحوا مردّدين "مات لين -مات لين)


-و ربما هي تسمية جاءت من الأندلس مع الجالية التي قدمت بلادنا وذلك لوجود حصن يعرف ب"متلين" أو "مكلين" و قد ذكر اسمه في كتاب "نفح الطيب عن غصن اندلس الرطيب" و ذكره الوزير لسان الدين ابن الخطيب و هو يشبه كثيرا الماتلين .


-ربّما يكون للاسم علاقة بالبحارة اليونانيين لوجود بلد اسمه "ميتيلان" في جزيرة لاسبوس اليونانية اليوم و التركية قبلا.

 

 

الماتلين عبر التاريخ


تحت عنوان "الماتلين عبر التاريخ " كتب المرحوم الأستاذ حميّد جعفر في نشرية كانت تصدرها اللجنة الثقافية المحلية برأس الجبل بعنوان "مرآتنا" دراسة يقول فيها :


تقع الماتلين في قمة جبل على ارتفاع نحو 300 متر عن سطح البحر و تطل على مناظر غاية في الروعة و الجمال قلّما يوجد شبيه لها في كامل تراب الجمهورية التونسية فهواؤها نقي جاف و مياهها عذبة وفيرة .
أما سبب التسمية فهناك اجتهادات و آراء تعتمد الرواية تارة و الاستنتاج تارة أخرى .

 الأبحاث الأثرية...قد أكدت وجود مدينة رومانية في المنطقة الممتدة من رأس الزبيب إلى مرسى الوادي كانت بها حضارة ممتازة و لها أهميتها التاريخية ...ولم يتم التأكد متى نشأت هذه المدينة بالضبط ، و مع هذا فالغالب على الظن أن الرومان قاموا بإنشائها بعد احتلالهم قرطاج و انتصارهم على القرطاجيين في سنة 146 ق م نظرا لأهمية موقعها الاستراتيجي القريب من مدينة أوتيك التي خلفت قرطاج بعد تدميرها .


و لا أستبعد أن أحد المسؤولين الرومان قد وجد في الماتلين مدينة مشابهة لمدينته فسماها عليها ، أو أن القائد أراد تخليد اسمه فسماها به .


وقد وجدت في أحد كتب التاريخ عن الإمبراطورية الرومانية تأليف الدكتور عبد اللطيف أحمد مدينة في جنوب ايطاليا بهذا الاسم ..كما وجدت اسم قائد روماني كان تحمل مسؤوليات في تونس يسمى بنفس الاسم ...و على كل ..فإنه صار من المؤكد أن الماتلين لم تكن حديثة العهد و إنما يمتد ماضيها لأزيد من 2000 عام...

 

 

الأصل التاريخي



مقتطفات من دراسة للباحث عبد العزيز قلوز تحت عنوان "الأصل التاريخي للماتلين"


للماتلين كما لكل بلد آخر ماض ، وهو على ما يظهر بلد عتيق قد يرجع عهد تأسيسه إلى ما قبل التاريخ و مما يؤكد هذا الرّأي وجود الحي المعروف الآن "الدوامس-جمع داموس" ، إذ لا شك أن هته التسمية تولدت عن وجود دواميس داخل عدد كبير من محلات السكن التي يتكون منها ذلك الحي في الوقت الحاضر و لا يستبعد أن تكون قد نحتت أوّلا في الجبل لتسكن عندما كان البشر في فجر التاريخ لا يعرفون البناء بعد .
و من المحقق أن بلد الماتلين كان موجودا في العهد الروماني فقد عثر على كثير من الآثار الرومانية كالمصابيح الزيتية و قطع النقود و أواني الطبخ و القبور و غير ذلك..


وإذا ما اعتبرنا الأماكن التي توجد بها تلك الآثار و التي يقع بعضها على الساحل البحري و الآخر بالمرتفعات أمكن استنتاج أمرين اثنين :
أولا : أن الماتلين كانت آنذاك مدينة شاسعة الأطراف و أن أهلها كانوا يتمتعون بمستوى رفيع من العيش .


ثانيا : أن الجهة كانت مقصودة للاصطياف و أنه كان نشاط بحري من ملاحة و صيد أسماك إلى غير ذلك ..
و من المحتمل أن تكون المدينة القديمة مقصودة آنذاك وبوجه خاص للنقاهة و الاستحمام فقد قال لي المرحوم "علي الخماسي" الذي كتب كثيرا عن جهة بنزرت أنّه كان اطلع على وثيقة تاريخية تفيد أن الماتلين كانت موجودة في العهد الروماني و أنها كانت تعرف " ببني فنتين - بني فنتون "أي ما تعريبه (الريح الطيب) أو على الأصح (الهواء الصالح) .
أما في العهد الاسلامي فإن الماتلين التحقت منذ فجره بالبلدان التي منّ الله عليها بنعمة الدين المحمّدي إذ تم فتحها على يد معاوية بن حديج ....

تاريخ الماتلين


في محاضرة بعنوان "تاريخ الماتلين" قام الدكتور عز الدين قلوز بتاريخ (أوت 1995) بتقديم أطروحة جديدة حول نشأة الماتلين فذكر أن التسمية الحديثة نشأت بالتحديد خلال القرن السادس عشر لما قامت الإمبراطورية العثمانية بإرسال القائد العسكري "سنان باشا" لضم تونس و القضاء على الحكم الحفصي العميل للاسبان.


تمت العملية في سنة 1574 ميلادي بمساعدة مؤكدة من القادة البحريين المعروفين (الاخوة القراصنة خير الدين و أخوه بوعروج) و المعروفين أيضا (الإخوة بربروس) و لما استتب الحكم للأتراك بتونس و هدأت الأوضاع أراد السلطان العثماني أن يكافئ الجنود المتقاعدين بتوطينهم في بعض الأراضي وخاصة تلك الموجودة على السواحل و تقديم امتيازات كبيرة لهم.


عندما وصل هؤلاء الجنود إلى المنطقة أعجبهم الموقع ووجدوا فيه تشابها مع مدينتهم الأم التي جاؤوا منها و كان اسمها (ميدلي بالتركية) و تعرف الى اليوم باسم "ميتيلان"في جزيرة (لاسبوس باليونان ) و هي مسقط رأس الإخوة بوعروج أيضا فكانت التسمية (ماتلين).


و قد ختم الدكتور محاضرته بالتركيز على الفترة التالية لقدوم الأتراك و هي استقبال البلاد التونسية لموجة كبرى من الهجرات الجماعية لمسلمي الأندلس المعروفين بالموريسكيين و خاصة اليد العاملة منهم التي شاركت في بناء ميناء غار الملح و استصلاح الأراضي وعديد المهن الأخرى فبرزت هذه القرية الجديدة باسمها الحالي (الماتلين) بعد أن كانت مهجورة بسبب القرصنة البحريّة و الحروب التي خافها سكان السواحل فآثروا الابتعاد إلى داخل البلاد بحثا عن الأمن و أكد الدكتور أنه لا يجد قبل هذه الفترة ذكرا لجهة بهذا الاسم في هذه الربوع .(حاتم سعيد بتصرف)

 

 

كتاب الماتلين (METLINE)


من كتاب الماتلين صدر باللغة الفرنسية أولا ثم وقع ترجمته للعربية للمهندس محمد الناصر قلوز و بالتحديد في الجزء الثاني خرجت للنور أولى الدراسات المختصة حول الجهة حيث قام الدكتور بجمعها و تبويبها في إخراج أنيق كمحاولة لفك الرموز حول عديد المعطيات التي بقيت مجهولة و أبرزت في نفس الوقت مدى ثراء الجهة من الناحية الأثرية و أهميتها في تاريخ تونس حيث نجد وصفا دقيقا يتسم بالشمولية بعض الشيء.
يرجع تاريخ الماتلين إلى العهود القديمة .


هي مدينة بونيقية موجودة على الشاطئ , في مرتفع تطل منه على البحر الذي كان أبناؤها يستغلونه .


كانت موجودة برأس الزبيب .

 

هجرت في أواسط القرن الثاني قبل الميلاد و قد يكون ذلك عند الاستيلاء على قرطاج أو بعده بقليل . وكانت تسمّى "تينيزيا" أي (مدينة التن) , و قد أطلق عليها اللاتينيون "تيموس" و يعود أصل تأسيسها إلى اعتبارين اثنين : أولهما السّفر بحرا و ثانيهما اهتمام البونيقيّين بهجرة التّنّ .



المدينة البونيقيّة.



كان الملاحون (البحارة) في ذلك العهد يستعملون قواعد بسيطة لا تسمح لهم " عند مغادرتهم بنزرت " بالوصول إلى شواطئ أوتيك في يوم واحد . علاوة على ذلك فالسّفن الصغيرة ذات الحمولات القليلة كانت تواجه خطرا مستمرا لتتجاوز رأس"سيدي علي المكّي" أو (شناخ سيدي علي المكي ) . لذا توجّب إيجاد ميناء مناسب لتقصير (تقليص) رحلة اليوم الموالي المليء بأخطار الرأس المذكور.



إذا نظرت إلى خريطة جغرافية لاحظت أنه عند مغادرتك بنزرت تحاذي (تجانب) ساحلا صعبا متقطعا خاليا من كل محطة
لائقة حتى رأس الزبيب ’ و أنه يوجد شرقي هذا الرأس سهل محاط بشاطئ يسمح للإرساء فيه بسهولة . إنه النقطة الوحيدة الصالحة لذلك انطلاقا من بنزرت إلى صخور "أبولون".



استغل الفينيقيون ’ و هم مخترعو "القروم" ’ مرور التّنّ السّنويّ من "بلارمو" ورؤوس "سيسيليا"الى"لكسوس"و"قوداس" (مدينتان قديمتان اسبانيتان في الوقت الحالي) .
و لإبراز قيمة التن و مكانته المرموقة لديهم فإنهم رسموه على نقودهم .

كانت المدينة العتيقة (موقع الميناء القديم فوق التلة المواجهة له المعروفة بجبل "التّوشلة") تحتوي على قلعة "بيرصا "(علو86 م) في قمة هضبة حيث يبدأ حصن كبير في الانحدار إلى أرضية الشواطئ .

و تبرز لنا بعض آثار الحمامات الرومانية أحواضا صغيرة نصف دائرية مكسوّة برخام ذي ألوان عديدة و متنوعة . و عند مرورنا بالشاطئ نرى قطعا من الرخام و الشقف الخزفية مبعثرة بين حصياّته الملساء . و هذه الأخيرة تدل على بذخ أصحاب هذه الآثار  وهناك مظهر أخر من مظاهر الثراء تبرزه الصور المرسومة على بقايا الجدران و منها صور بعض الطيور .

أما شمال المدينة فيبدو فقيرا : فالجدران أقل إتقانا و الأرضية عادية غير مبلطة ’ و يوجد حوض مستطيل على نمط الأحواض القرطاجيّة و بجانبه توجد بئر مستطيلة .

أسفل جبل "الفيض" عثر على قبر صغير و أثر قبر من النوع نفسه.

 فهل يعني هذا أنها قبور معزولة أم هي جزء من مقبرة المدينة البونيقية ؟

و على بعد حوالي 10 أمتار من احدهما عثر على مقبرة رومانية كان الرومان يحرقون فيها موتاهم .

يرجع تاريخ هذه الآثار المكتشفة إلى 100 أو 150 سنة بعد الميلاد و هي المدينة المعروفة "بنفنتوم" الرومانية .

إلى أرضية الشواطئ .

تنتمي هذه الآثار إلى برج متقدم كالأصابع المستطيلة التي تنطلق من القلعة و تمتد على طول الرأس فتكوّن العمود الفقريّ المانع لإرساء كل سفينة .

أما داخل السور فتوجد المساكن و خزنة ماء مستطيلة الشكل و مستديرة (اسطوانية) الطرفين جميلة و كبيرة ’ ويوجد كذلك فرنان لشيّ الفخار .

و تمتدّ المقبرة القديمة بأسفل القلعة في الوادي الفاصل بين جبل "توشلة" و جبل "بوشوشة".

كانت المدينة تتزوّد بالماء العذب من عينين : توجد الأولى على بعد 200 متر في الجنوب الشرقي ( تعرف حاليا بغدير العين) و أما الثانية فتجري شرقا محاذية الشاطئ (أزيلت بسبب انجاز طريق ميناء الصيد البحري الجديد سنة 1996).

لقد بنا الإسبان بهذا المكان "تنارة" و استغلوها حتى سنة 1942 حيث توقفت بسبب الحرب العالمية الثانية و لم تبدأ نشاطها بعد .

على بعد 4 كلم شمال غربي ’ و في ساحل "عين مرجة" و على بعد 1 كلم جنوب وادي الشاوي ( أسفل جبل باب بنزرت) كان يستغل مقطع حجارة على شكل مدارج .

كانت حجارته الرملية تستعمل لبناء أوتيك . و في هذا الموقع نجد أثار حمامات و ضريحا مربعا مكونا من أرضية مبنية بحجارة كبيرة الحجم من الجبس اللّيّن . شيّد هذا الضريح على ربوة تنتهي بمنحدر تنبع من تحته "عين مرجة" ذات الماء العذب الدّافق باستمرار ’ و التي هيّأ لها حوض على شاطئ البحر (وقع ترميم هذا الحوض من البلدية سنة 1995 في إطار الاعتناء بمنطقة الدمنة) تربطه ساقية بحوض آخر على بعد 65 متر .

و هنا على شاطئ البحر توجد الحمّامات .(حاليا تعرف بضيعة النمري)

 

المدينة البونيقية الرومانية بالسّويسيّة

 

توجد شرقيّ رأس الزبيب ’ في المكان المسمّى "صفية" السّهل الساحليّ الصغير الذي رسّبته مياه "وادي بني عطا" هذا السهل المشمس ذو المياه الوافرة و الذي يؤمّن له جبل الماتلين الحماية من الرياح و التقلبات الجوية قد اختاره الرومان ’الأقل ميلا إلى أشياء البحر من البونيقيّين ’ لإنشاء بساتينهم ثم مدينتهم على امتداد السّاحل .

فنحن نرى على الشاطئ الآن أثار جدرانها القائمة دليلا على مدى اتساع المنازل و جودة بنائها ذي الأرضية المبلطة بالفسيفساء الجميلة التي تنبئ عن ثراء سكانها . و في موقعين مختلفين نرى على أديم الأراضي النّباتية فرنا للتدفئة وحولهما لا توجد أشجار نامية لأن جذورها لم تستطع اختراق الفسيفساء.

محطات تاريخية لماتلين التونسية -مقدمةمحطات تاريخية لماتلين التونسية -مقدمة (7.27 Mo)

محطاتمحطات (1.46 Mo)

Ajouter un commentaire