عصور تونس التاريخية

عصور تونس التاريخية

عصور تونس التاريخية
تونس قبل الفتح الإسلامي
كان يسكن تونس في القديم العنصر البربري الذي لا يَعرف عنه التاريخ إلاّ القليل، ويحدّثنا المؤرخون أنه كان للبربر نصيب من الحضارة لاتّصالهم بمصر الفرعونية وبلاد اليونان.
وفي القرن الثاني عشر ق.م ابتدأت تنتشر على سواحل تونس مراكز تجارية قام بتأسيسها الفينيقيّون الذين قَدِموا إليها من الشام، وهم الذين أنشأوا مدينة قرطاجنة في القرن التاسع ق.م التي ما لبثت أن أصبحت تسيطر على بقية المدن والمراكز التجارية الجديدة على طول سواحل المغرب. وتكونت في قرطاجنة في ذلك العصر أعظم دولة بحرية امتدّ نفوذها من برقة إلى المغرب الأقصى، وزاحمت الدولة اليونانية في السيادة على البحر الأبيض المتوسط. وبعد أن سيطرت قرطاجنة على السواحل بسطت سلطانها على المناطق الداخلية واستعمرتها وأجبرت البربر على دفع الضرائب والانخراط في الجيش.
وقد انبعثت من مدينة قرطاجنة حضارة شرقية زاهرة، وأخذ البربر بأسباب هذه الحضارة، ونقلوا عن الفينيقيين أصول التجارة والصناعة والفلاحة، واعتنقوا عقائدهم الدينية وعاداتهم الاجتماعية.
وفي منتصف القرن الثالث ق.م اشتدّ التنافس بين رُومة وقرطاجنة في السيطرة على حوض البحر الأبيض المتوسط، وأدّى ذلك إلى نشوب « الحروب الفينيقية الثلاثة » بين الفريقين، وقد دامت أكثر من قرن وانتهت بتدمير قرطاجنة الفينيقية سنة 143 ق.م وإقامة قرطاجنة الرومانية على أنقاضها.
وقد تركت الحضارة الفينيقية التي دامت أكثر من عشر قرون آثاراً عميقة في البلاد.
وبعد العصر الفينيقي دخلت تونس تحت سيطرة روما من سنة 146ق.م إلى سنة 430. ولم يَعتَنِ الرومان بادئ الأمر باستعمار البلاد، إذ كانوا منهمكين في الحروب الداخلية. وقد بسطوا نفوذهم المباشر على « إفريكا » ( إفريقية ) التي كانت تشمل مناطق تونس الحالية، بينما وكلوا أمر « نوميديا » ( وهي منطقة قسنطينة التابعة للجزائر ) إلى أمير من أمراء البربر وضعوه تحت حمايتهم.
وشرعت الدولة الرومانية في تنظيم استعمارها وتوطيد أقدامها في البلاد، بعد أن استقر الحكم للقياصرة سنة 31ق.م، فأُقطعت الأراضي الشاسعة إلى قدماء المحاربين والأغنياء من الرومان، وخُطّت الطرقات في طول البلاد وعرضها، فانتشرت المزارع والبساتين وعمّ العمران وتعددت المدن الزاهرة، حتّى أصبحت تونس من أخصب ممتلكات الإمبراطورية الرومانية وأكثرها عمراناً. وقد جعل الرومان من مناطق البلاد القاحلة مناطق خصبة بما أحدثوه من نظام محكم للريّ وما حفروه من آبار.
وكانت سيطرة الرومان على البلاد عسكرية واقتصادية، ومع ذلك ازدهرت حضارتهم في البلاد وبلغت أوجَها بين بقية ممتلكاتهم. وأخذ البربر بأسباب هذه الحضارة وساهموا في ازدهارها، ووصل بعضهم إلى أعلى الرُّتَب والوظائف في الدولة الرومانية. إلاّ أن بعض القبائل البربرية لم تُقبِل على هذه الحضارة وبقيت محافظة على شعائرها ولغتها، وتحصّنت في الجبال وصارت تتربّص الفرص للانتقاض على السلطة الرومانية.
ولما ظهرت الخلافات الدينية بين المسيحيين ساعد البربر على انتشارها في إفريقية وضعف نفوذ الحكام وتكررت ثورات البربر، وانتهى هذا العصر الذي دام ستة قرون باحتلال الوَنْدال للبلاد في القرن الخامس الميلادي.
وأسّس الوَندال بإفريقية مملكة مستقلة دامت نحو المائة سنة وكان احتلالهم للبلاد احتلالاً عسكرياً، وقد احتفظوا بنظام الإدارة الرومانية، وقضوا على الاستعمار الروماني للأراضي، فاستمالوا بذلك البربر وتعاونوا معهم وأشركوهم في الغزوات التي شنّوها على سواحل البحر الأبيض المتوسط.
ولما ضعف سلطان الوندال خرج جزء كبير من بلاد البربر عن طاعتهم، ولم يَبقَ بأيديهم سوى شمال بلاد إفريقية ( تونس )، وانتهى بهم الأمر إلى أن طردهم روم بيزنطة سنة 534م الذين ألحقوا إفريقية بأمبراطوريتهم بعد أن كسروا شوكة البربر. ثم شرعوا في تنظيم البلاد وإقامة الحصون بها لرد غارات القبائل البربرية.
وبعد أن عاد الأمن للبلاد وتمتّعت بحياة الرخاء مدة قرنين متواليين اضطربت الأحوال بسبب ضعف سلطان الروم واستفحال النزعات الدينية، وأفضى ذلك بولاة الروم إلى الاستقلال بالحكم في المناطق الإفريقية التي كانوا يديرون شؤونها، وقويت شوكة رؤساء قبائل البربر فخرجوا عن طاعة الدولة وصاروا يناهضونها في كل المناسبات.
الفتح الإسلامي
بعد أن استولى العرب على مصر سنة 17 هـ اتجهوا بفتوحاتهم نحو الشمال، فانتزعوا برقة وطرابلس من يد الروم، ثم حوّلوا أنظارهم إلى بلاد المغرب، وغَزَوا إفريقية لأول مرة سنة 27 هـ، ثم رجعوا إليها سنة 45هـ ولكنهم لم يستقروا بها ولم يتركوا وراءهم أثراً يذكر.
فكانت هاتان الحملتان تمهيداً للفتح النهائي الذي تم على يد عُقبة بن نافع سنة 50هـ. وقد رأى عقبة أن أحوال إفريقية لا يمكن أن تستقر للمسلمين إلاّ إذا أنشأوا لهم مركزاً قارّاً بها ومعسكراً يخرجون منه لفتح بقية المغرب، فصرف عنايته لبناء مدينة القيروان. ومنذ اليوم الذي أصبح فيه للمسلمين عاصمة في إفريقية اهتموا بفتح بلاد المغرب فتحاً نهائياً، وصاروا يعتبرون إفريقية ولاية مستقلة الشخصية بعد أن كانت تابعة لمصر.
وقد وقف كل من الروم والبربر في وجه استيلاء العرب على إفريقية وبقية المغرب وتحالفوا لمقاومتهم. ولكن عقبة عرف كيف يقضي على هذه المقاومة في بادئ الأمر، واستطاعت جيوشه أن تستولي على البلاد إلى أن وصلت إلى المحيط الأطلسي. غير أن جيوشه انهزمت في طريق رجوعها من المغرب الأقصى أمام جيوش البربر التي كان يقودها « كسيلة ». فخرجت إفريقية من يد العرب للمرة الأولى بعد أن احتل البربر القيروان، وأقاموا دولة بربرية في جنوب إفريقية، بينما كان الروم محتفظين بشمالها، ومتحصّنين في قرطاجنة وبقية المراكز المحصَّنة. غير أن انهزام الجيوش العربية لم يمَحُ أثر العرب في إفريقية إذ بقي الكثير منهم مقيماً بالقيروان تحت حكم كسيلة، وكانت تناصرهم قبائل بربر الجنوب الذين دخلوا الإسلام منذ الغزوة الأولى.
وفي عهد عبدالملك بن مروان توجه العرب إلى القضاء على دولة الروم ودولة البربر، وكسر شوكة قبائل بربر الشمال المعتصمين في الجبال. فاستطاع زهير بن قيس البلوي القضاء على المقاومة البربرية سنة 64هـ. وجاء بعده حسّان بن النعمان إلى إفريقية سنة 76هـ، وكانت مهمته القضاء على مقاومة الروم، فتمكن من الاستيلاء على حصونهم وطردهم من عاصمتهم قرطاجنة.
ولكن إفريقية خرجت من يد العرب مرة ثانية، إذ انتظمت مقاومة البربر بزعامة امرأة منهم تلقب « بالكاهنة »، بينما جاءت النجدات إلى الروم من بيزنطة نفسها.
وعاد حسان إلى إفريقية سنة 81 هـ، وبقضائه على جيوش الكاهنة قضى على آخر مقاومة قام بها أهل البلاد، ثم اتجهت عنايته إلى الروم فاستولى على قرطاجنة بعد أن حاصرها براً وبحراً.
وكانت إدارة البلاد موكلة إلى الوالي الذي يُعيَّن من قبل الخليفة. واتخذ العرب مدينة القيروان مركزاً إدارياً، وأنشأوا بها الدواوين المختلفة، وعيّنوا العمال للإشراف على شؤون الولاية.
وبادر حسان بإنشاء ميناء جديد يحل محل قرطاجنة، فبنى مدينة تونس التي ما لبثت أن أصبحت المنفذ الذي خرج منه الجيوش لفتح صقلية وإيطالية.
تونس في القرن الثاني الهجري
كان للخلافات السياسية التي حدثت في المشرق أواخر القرن الأول الهجري والتي أدت إلى ظهور « الخوارج » صداها في بلاد المغرب، فانتشرت حركة الخوارج بسرعة بين قبائل البربر وحتى في بلاد الأندلس التي كانت في ذلك الحين تابعة لإمارة القيروان. وصارت إفريقية بدورها ميداناً للفتن الداخلية، فلم تستقرّ فيها دولة قوية إذا استثنينا دولة بني المهلَّب، إلى أن ظهرت الدولة الأغلبية في أواخر القرن الثاني الهجري.
وفي هذا العهد أيضاً وجه عمر بن عبدالعزيز عنايته إلى نشر الإسلام في المغرب، فأرسل جماعة من مشاهير التابعين لتنظيم هذه المهمة، فأسسوا المساجد في سائر أنحاء البلاد وأنشأوا الكتاتيب لتعليم اللغة العربية (1). ويرجع تاريخ بناء جامع الزيتونة إلى هذا العهد ( سنة 114 هـ ).
وبالرغم من الفتن والاضطرابات بدأت تظهر في إفريقية بوادر ازدهار الحضارة، وشرعت إفريقية في ظل الإسلام تأخذ طريقها إلى الحياة السياسية والعقلية الخاصة بها، إلى أن تكونت فيها دول قوية لها شخصيتها وحضارتها. وأُولى هذه الدول هي الدولة الأغلبية.
دولة الأغالبة
ولم تستقر الأحوال في إفريقية إلاّ في عهد الحكم العباسي عندما عين هارون الرشيد سنة 184هـ إبراهيم بن الأغلب عليها، جاعلاً الإمارة وراثية في بيته. وهكذا نشأت في تونس أول دولة عربية قوية مستقلة داخلياً عن الخلافة، وتعاقب أمراؤها على الحكم أكثر من قرن بلا انقطاع.
وقد اتخذ الأغالبة القيروان عاصمةً لمملكتهم التي كانت تشمل الجمهورية التونسية الحالية، كما تشمل مقاطعة قسنطينة ( بالجزائر ) وطرابلس الغرب.
الدولة الفاطمية
كان للمذاهب المختلفة الناشئة في الشرق العربي أثرها في الدولة التي نشأت في المغرب. وقد كانت هذه البلاد حتّى أواسط القرن الثالث الهجري يسودها المذهب المالكي الذي وطّد أركانه بها كلٌّ من الفقيهين المالكيين: أسد بن الفرات وسَحْنُون. ولكنْ شيئاً فشيئاً بدأ البربر يتّصلون برجالات المذاهب الأخرى، ووجدوا في فرقة الخوارج تلاؤماً مع حالتهم، وسُرعان ما أقبلوا على اعتناق مذهبها، وما كاد القرن الثالث يوفي على نهايته حتّى كان مذهب الأباضية ـ وهي فرقة من فرق الخوارج ـ قد انتشر انتشاراً كبيراً في القبائل التي تسكن جنوب المغرب.
أما قبائل الشمال كَتامة وصَنهاجة وما يتبعهما فقد اعتنقت المذهب الشيعي الفاطمي الذي قام بالدعوة إليه في المشرق عبدالله المهدي، وأوفد في ذلك الحين الداعي أبا عبدالله ليتولى نشر مذهبه ببلاد المغرب.
وكانت دول الأغالبة قد أشرفت على نهايتها، فنظّم أبو عبدالله الدعوة ضدّها، وكوّن الجماعات لنشر المذهب الشيعي الفاطمي وخلع طاعة الأغالبة، والعمل على تكوين خلافة شيعية فاطمية بالمغرب.
وعندما رأى عبدالله المهدي أن الدعوة قد انتشرت بالمغرب، وأن جيوش داعيته قد أصبحت قاب قوسين من النصر، انتقل من سُلْمية إلى سَجلماسة وظل مختفياً بها إلى أن انتهى الأمر بانهزام جيوش الأغالبة، وفر آخر أمير منهم وهو زيادة الله الأغلبي بعد أن يئس من وصول نجدة العباسيين إليه، فدخل عبدالله إلى القيروان حيث بويع بها سنة 297هـ ولُقّب بأمير المؤمنين، وهكذا تكوّنت بإفريقية دولة الفاطميين، بينما كانت الدولة العباسية ما تزال قائمة ببغداد، والدولة الأموية بالأندلس. وبعد ذلك أخذ الفاطميون يوطّدون أركان دولتهم ببلاد المغرب، فأسسوا عاصمتهم الجديدة سنة 308 هـ وأسمَوها المهدية، واستطاعوا أن يُخضعوا لسلطانهم كافة بلاد المغرب، بعد أن قضوا على الدولة الأباضية في تيهرت ( الجزائر ) والصفرية في سجلماسة ( المغرب الأقصى ) والإدريسية في فاس.
وبعد ذلك اتّجه الفاطميون بدعوتهم إلى منبعها الأول في الشرق العربي، وأرادوا أن يبسطوا سلطانهم عليه، فوجهوا جيوشهم بقيادة مولاهم جوهر الصِّقِلّي الذي ما لبث أن استولى على مصر ودخل عاصمتها الفُسطاط، وأسس بجوارها مدينة القاهرة سنة 358 هـ التي أصبحت منذ ذلك الحين حاضرة الخلافة الفاطمية التي امتدّ نفوذها من الشام إلى أقصى المغرب.
وبالرغم من بعض الثورات التي انتابت تونس في هذا العصر فإن الحضارة العربية قد ازدهرت بها، ونشطت النهضة العلمية وانتشرت المعاهد الثقافية ليس في تونس فقط بل حتّى في مدن صقلّية التي كانت خاضعة لسلطانهم. وإلى جانب هذا احتفظ الفاطميون بالسيادة على البحر الأبيض المتوسط، فكان أسطولهم يَجُوب البحار ويشنّ الغارات على المدن الإفرنجية وعلى جزر اليونان، واستطاعوا أن يضمّوا إلى خلافتهم كلاًّ من جزيرتَي إقريطش ( كريت ) وسردينيا وقسماً من جزيرة كورسيكا.
الدولة الصنهاجية
لما انتقلت عاصمة الحكم إلى القاهرة أصبح المغرب ولاية تابعة لمصر يدير شؤونها أمير من أصل بربري اسمه بلكين بن زيري بن مناذ الصنهاجي. وهكذا تأسست الدولة الصنهاجية، وكانت مرتبطة بالخلافة ارتباطاً صُوَرياً فحسب. واستطاع ملوكها الاحتفاظ بمملكتهم الواسعة التي ورثوها عن الفاطميين.
ثم خرج عن طاعتهم المغرب الأوسط حيث تكوّنت فيه دولة بني حمّاد في فجر القرن الخامس هـ، وبقيت مملكة بني زيري محصورة في إفريقية وعاصمتها القيروان.
وتعتبر الدولة الصنهاجية أول دولة بربرية في إفريقية بعد الفتح الإسلامي، وقد مهّد لهم السبيل الأغالبة والفاطميون في نهضتهم بالبلاد من الوجهة الأقتصادية والعمرانية والثقافية. فشارك الصنهاجيون في بناء صرح الحضارة، فانتشرت الزراعة في أنحاء البلاد بفضل انتشار وسائل الريّ، وارتفع مستوى الصناعة الوطنية ونشطت التجارة مع الخارج.
وامتلأ بلاط ملوكها برجال العلم والأدب، وعُني أغلبهم بالفن المعماري فأنشأوا القصور الفخمة والمَنارِه الجميلة، وتنافسوا في تشييد المعالم كالجسور والطرقات وصهاريج المياه والحصون والأسوار.
غزوة بني هلال
حوالي سنة 435 هـ أظهر الملك المعزّ بن بادِيس الصنهاجي انحيازه إلى الحكومة العباسية في بغداد، معلناً خروجه عن طاعة الخليفة الفاطمي المستنصر سنة 439هـ، فرأى المستنصر أن ينتقم من المعزّ، وأرسل إلى إفريقية قبائل بني هِلال وبني سُليم ورياح التي كانت تقيم في الصعيد المصري، فوصلوا إلى إفريقية سنة 440هـ.
وقد أحدث هذا الزحف العربي انقلاباً عميقاً في مختلف نواحي الحياة بإفريقية، إذ تمّ بفضله استعراب البلاد بصورة نهائية، إلاّ أنه كان من نتائجه أن عمّت البلادَ الاضطراباتُ وتمزقت أوصال الدولة الصنهاجية، ونشأت دويلات صغيرة في أنحاء البلاد كانت أشبه بملوك الطوائف بالأندلس، كما وقع في سائر البلاد التي كان يحكمها العرب شرقاً وغرباً وقتذاك، وبقي بنو زيري محتفظين بالمهدية والمناطق المجاورة لها.
ولم يكن هذا آخر عهد الفاطميين في تونس بل إن الخطبة عادت إليهم بعد انقضاء عهد المعزّ بن بادِيس وعهد وَلَده تميم، حيث تولى يحيى بن تميم بن المعزّ فعاد إلى طاعة الفاطميين. وعمّا فعله المعز بن باديس بالشيعة في تونس وغيرها ننقل عبارة ابن الأثير بنصّها:
مذبحة الشيعة الكبرى
قال ابن الأثير: « في سنة 407 قُتِلَت الشيعة بجميع بلاد إفريقية (2)، وذلك أن المعزّ ابن بادِيس ركب ومشى في القيروان فاجتاز بجماعة فسأل عنهم فقيل: هؤلاء رافضة، فترضّى عن الشيخين، فانصرفت العامة من فورها إلى درب المقلى من القيروان ـ وهو مكان يجتمع فيه الشيعة ـ فقتلوا منهم، وكان ذلك شهوة العسكر وأتباعه طمعاً في النهب، وانبسطت أيدي العامة في الشيعة وأغراهم عامل القيروان وحرّضهم.
وسبب ذلك أنه كان قد أصلح أمور البلد فبلغه أن المعزّ بن باديس يريد عزله فأراد إفساد البلد، فقُتل من الشيعة خلقٌ كثير وأُحرقوا بالنار ونُهبت ديارهم وقُتلوا في جميع إفريقية. واجتمع جماعة منهم إلى قصر المنصور قرب القيروان فتحصّنوا به فحصرهم العامة وضيّقوا عليهم فاشتدّ عليهم الجوع، فأقبلوا يخرجون والناس يقتلونهم حتّى قُتلوا عن آخرهم. ولجأ من كان منهم في المهديّة إلى الجامع فقُتلوا كلهم. وأكثَرَ الشعراءُ ذكرَ هذه الحادثة، فمن فرح مسرور ومن باك حزين ».
النورمان
وفي تلك الفترة انتزع النورمان من العرب جزيرة صقلّية بعد أن كانت تابعة لتونس مدة تقرب من ثلاثة قرون، وصاروا يغزون المهدية بين الحين والآخر حتى استولوا عليها سنة 543هـ، كما استولوا على معظم السواحل التونسية، بينما كانت مدن الداخل تخضع لحكم القبائل العربية. وهكذا انقرضت الدولة الصنهاجية في تونس.
الدولة المُوَحِّدية
استنجد الملك الحسن بن علي الصنهاجي بعبد المؤمن بن علي مؤسس الدولة الموحِّدية في المغرب الأقصى لإنقاذ تونس من أيدي الإفرنج. وكان عبدالمؤمن في ذلك الحين قد أخضع لسلطانه المغربَ الأقصى، كما ضَمّ إلى مملكته بلاد الأندلس، فاستجاب عبدالمؤمن لاستنجاد الصنهاجيين، وسار إلى إفريقية محتلاً في طريقه المغربَ الأوسط، ثم أخذ يحتلّ بلاد إفريقية. وبعد أن استولى على المناطق الداخلية سار إلى مدن الساحل وطرد منها النورمان، فتمّ له أمر البلاد سنة 555هـ. وهكذا تأسست دولة مترامية الأطراف تضم أقطار المغرب العربي الثلاثة، ودامت أكثر من سبعين سنة استطاع فيها الموحِّدون أن يُخمدوا الثورات العديدة التي كانت تقوم ضدهم بين الحين والآخر.
وتعتبر دولة الموحِّدين ـ لا سيّما في عهدها الأول ـ دولة شيعية في جذورها وميولها وأدبها.
الدولة الحفصية
عمل ملوك بني حَفص على إصلاح البلاد من جرّاء العهد المضطرب الذي مر على إفريقية، وساروا على منوال الموحّدين في تنظيم دواوين الدولة. واستطاع أبو زكرياء مؤسس الدولة وكذلك المستنصر الذي خَلَفه توطيد دعائم الأمن في تونس وإخماد نار الفتن بين القبائل والقضاء على الثورات التي نشبت في مختلف أنحاء البلاد.
وقد اتسعت المملكة الحفصية حتّى شملت طرابلس والجزائر ومراكش التي انضمّ ملوكها بنومرين إلى الحفصيين وقدّموا لهم فروض الولاء، كما بايعهم أمير مكة وأهل الحجاز سنة 658 هـ.
وفي عهد المستنصر أغار لويس التاسع ملك فرنسا على تونس في الحملة الصليبية الثامنة، ونزل الطاعون بجيشه فأفنى معظمه، ولقي الملك لويس نفسُه حتفه بتونس سنة 669 هـ ( 1270 م ).
ثم شاهدت الخلافة الحفصية عهداً مضطرباً دام حوالي مائة سنة. وكان التنافس بين أمراء البيت الحفصي وتطلّعهم إلى الخلافة من جهة، والخلافات القائمة بين القبائل من جهة أخرى باعثاً لكثير من الفتن التي أضعفت سلطة الخلافة المركزية، فخرج عن طاعة الخليفة أطراف المملكة، واستقلّ بالحكم بنو يملول في توزر، وبنو خلف في نفطة، وبنو مكي في قابس، وبنو ثابت في طرابلس.
وقد شجّع التدهور الذي لحق الخلافة الحفصية في ذلك العهد ملوكَ بني مرين في المغرب الأقصى على الاستيلاء على إفريقية مرتين دون أن يستقر لهم الحكم بها زمناً طويلاً.
وفي أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع الهجري عادت البلاد إلى وحدتها القديمة ومجدها السالف، وساد فيها الأمن بفضل أعمال الأمير أبي العباس والأمير أبي فارس، فتدعّمت أركان الدولة من جديد، وامتدّ نفوذ بني حفص إلى المغرب الأوسط بعد أن سقطت، ثمّ إلى المغرب الأقصى والأندلس. وقد عُني كل من هذين الأميرين بإقامة الحصون على السواحل لرد الحملات التي ابتدأ يشنّها الصليبيّون على تونس، بيد أنّ الحكّام الذين تولَّوا بعدهما لم يستطيعوا أن يحافظوا على مكانة الدولة، فساروا بالبلاد إلى الفوضى، وخرج عن سيادتهم كثير من الأنحاء حتى لم يَبقَ تابعاً لهم في أواخر القرن التاسع الهجري غير مدينة تونس وما جاورها من المناطق، واستقلّت مدن السواحل بحكم نفسها، وأخذت كل واحدة منها تلعب دوراً في البحر الأبيض المتوسط.
وفي عهد الدولة الحفصية رأت البلاد عصوراً زاهرة بالرغم مما انتاب البلاد من اضطرابات وضعف سلطة الحكّام المركزية.
وقد عقدت الدولة الحفصية عدة معاهدات لتنظيم الملاحة وتمتين العلاقات التجارية والسياسية بينها وبين البلاد الأوربية كبَرْشلُونة وجَنَوى وبيزة وصقلّية والبُندقية ومَرسيليا. واشتهرت بين التجار الأوربيين أسواق تونس والمهدية وقابس وعنّابة، وأصبح قبلة تجار البحر الأبيض المتوسط. وأينعت الحياة الأدبية والعلمية في هذا العصر، وكان نزوح العرب من الأندلس وصقلّية إلى تونس من العوامل التي كان لها أكبر الأثر في انتشار العلوم والفنون، فظهر أثر الفن الأندلسي فيما أُنشئ من المباني، كجامع القصاء بعاصمة تونس وصومعته المشهورة وأسواق المدينة وأبوابها التي ما تزال موجودة إلى الآن. كما عمل الملوك الحفصيون على تشجيع العلم والأدب في البلاد، فأسسوا المدارس لسكنى الطلبة ونظموا التعليم بجامع الزيتونة، ومن مشاهير رجال هذا العصر ابن خلدون وابن عَرَفة والأطباء من آل الصقلّي.
تونس في القرن العاشر الهجري
شهد القرن العاشر ذلك النزاع الكبير الذي كان قائماً بين الإسبان والأتراك للتحكم في البحر المتوسط والسيطرة عليه، وقد ابتدأ نفوذ الإسبان يمتدّ إلى سواحل المغرب بعد أن طردوا العرب من الأندلس، بينما ظهر في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط بعض القوّاد الأتراك مثل بابا عروج وأخيه خير الدين الذين كانوا يعملون باسم السلطان العثماني.
وهكذا أصبح العثمانيون والإسبان يتسابقون للاستيلاء على سواحل تونس بعد أن عجز أمراء بني حفص على رد هجماتهم. واستطاع أمراء الإفرنج احتلال أهمّ مراكز السواحل التونسية، وسقطت مدينة تونس سنة 935هـ ( 1529 م ) في يد خير الدين، وخطب فيها للسلطان العثماني، ثم انتزعها منهم الأمير الحفصي الحسن وحكمها تحت الحماية الإسبانية سنة 977هـ. ثم عاد إليها الحكم الإسبانيّ ـ الحفصي سنة 980هـ، ثم استعادها الأتراك سنة 981هـ ( 1573 م )، فأصبحت ولاية تابعة للسلطنة العثمانية وجزءاً من ممتلكاتها في شمال إفريقية الممتدة من الجزائر إلى مصر.
وكان في جملة الأُسارى المقبوض عليهم في فتح تونس الأخير الأمير ( محمد بن الحسن ) الحفصي، فأُرسل إلى الأستانة وبقي فيها معتقلاً إلى أن قضى نحبه. وبموته انقطعت السلالة الحفصية بعد أن حكمت ما يقرب من ثلاثمائة سنة.
بقايا التشيع
ليس في أيدينا الكثير عن تشيّع الحفصيين، ومنه ارتباط أصولهم بالموحِّدين ارتباطاً وثيقاً، ويشير محمد بن تاويت في مقال له في مجلة ( دعوة الحق ) إلى التشيّع في عهد الحفصيين ثم السعديين، متحدّثاً عن الموحدين ونهاية دولتهم: «... ولكن النشاط تحوّل إلى تونس مرة أخرى وتجددت الدولة بالحفصيين منها. ولا نستبعد أن يكون ابن الأبّار ( الشيعي كتب لهم ( درر السمط ) ـ وهو كتاب في رثاء الحسين ـ وهي آخر ومضة للتشيع في هذه الدولة. إلى أن كانت دولة السعديين، فعاد المنصور إلى هذه النغمة في أشعار بلاطه التي تردّدت في مَولِدِيّات القشتالي وعبدالواحد بن أحمد وأبي الحسن الشياظمي، وقد جازى المنصور سعيد الماغوس بالآلاف على شرحه لدرر السمط... ).
ويقول أحمد بن أبي الضياف صاحب كتاب ( إتحاف أهل الزمان بأخبار تونس وعهد الأمان )، المولود سنة 1219 هـ / 1804م والمتوفى سنة 1921م في كتابه المذكور:
« وأهل إفريقية يَدينون بحبّ عليّ وآله، يستوي في ذلك عالمهم وجاهلهم، جِبِلّة في طباعهم، حتّى أن نسوانهم عند طلق الولادة ينادون: يا محمد، يا علي ».
وهذا كلّ ما بقي من آثار التشيّع في تونس.
عهد الأتراك والفرنسيين
كان يحكم ولاية تونس نيابة عن السلطان العثماني والٍ يحمل لقب « الباشا »، ويساعده ديوان يتألّف من ضباط الجيش. وكانت قيادة الجيش بيد « آغا »، وقيادة كل فرقة عسكرية بيد « الداي »، وعُيّن لجباية المال موظف يسمى « الباي ».
وقد أخذ نفوذ الديوان يتّسع شيئاً فشيئاً إلى أن أدّى الأمر بالبلاد إلى قيام الثورة سنة 999 هـ ( 1590م )، كانت نتيجتها إعطاء مقاليد الأمور إلى أحد « الدايات »، ثمّ أخذ نفوذ الداي يتّسع شيئاً فشيئاً، بينما كان يتضاءل نفوذ الباشا الممثّل الرسمي للدولة العثمانية في تونس.
وقد نُظّمت شؤون هذه الولاية في عهد عثمان داي الذي عمل على تقوية الجيش وإعطاء قيادته إلى « باي ». وسار على منواله يوسف داي الذي تولّى الحكم سنة 1019هـ ( 1610م )، فاستتبّ الأمن في عهدهما ونهضت البلاد من جديد.
ثم ساءت الأحوال في تونس بعد ذلك، لأن الدايات الذين تعاقبوا على الحكم من سنة 1047 هـ ( 1637م ) إلى سنة 1117هـ ( 1705م ) لم يستطيعوا أن يحتفظوا لأنفسهم بالنفوذ، وقد تضاءلت سلطتهم أمام سلطة « البايات » التي أخذت تتّسع يوماً بعد يوم طول القرن الحادي عشر الهجري.
ومن العوامل التي قَوّت نفوذ البايات ما عمد إليه الباب العالي من إعطائهم لقب « باشا »، وجَعْلُ منصب الباي وراثياً.
وقد امتاز الثلث الأخير من القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر بما انتاب البلاد من حروب واضطرابات ناتجة عن التنافس على العرش، فنشبت الفتن الداخلية، وقامت حروب بين إمارة الجزائر وإمارة تونس، فعمّت بذلك الفوضى، وتمزّقت أوصال الدولة، وضعفت السلطة المركزية، مما شجع أساطيل الدول الأوروبية على ضرب سواحل تونس بالقنابل مرات عديدة.
وعلى أثر غزوة قام بها والي الجزائر سادت البلاد اضطرابات شديدة، وتمكن آغا الجيش حسين بن علي من الاستيلاء على الحكم بمساعدة الجيش التركي وموافقة الأهالي سنة 1117 هـ ( 1705م ). وهكذا تأسست الدولة الحسينية التي توارثت الحكم في تونس حتّى قيام الجمهورية. فعاد الأمن للبلاد بعد حالة من الاضطرابات دامت أكثر من أربعين سنة، وقضت الدولة الحسينية منذ أوائل عهدها على الثورات التي كان يقوم بها الجيش من حين لآخر لقلب نظام الحكم، وجُعلت الولاية وراثة في العائلة الحسينية.
وفي أوائل القرن التاسع عشر بدأت تونس تدخل متدرجة في طريق النهضة العصرية، وكان يربطها بالدولة العثمانيّة مجرد روابط شكليّة، فبادرت بالتحرر من هذه القيود الصورية، واعترفت الدول الأوربية كفرنسا وإنكلترا والنمسا باستقلالها، وعقدت معها المعاهدات والاتفاقات. ثم اتّجهت همة أمرائها إلى إدخال الإصلاحات على مرافق البلاد الحيوية، وفي مقدمتها إصلاح نظام الحكم بما يتفق والنظام الدستوري السائد في عدد من البلدان الأوربية.
فقبيل فرض الحماية الفرنسية بنحو أربعين سنة نجد على عرش تونس الباي المصلح الشهير أحمد باشا ( 1837م ـ 1855م ) الذي كان حريصاً على إدخال إصلاحات واسعة النطاق في جميع النواحي، وهيأت له الزيارة التي قام بها إلى أوروبا سنة 1846م فرصة للاطلاع على المدنيّة الحديثة وبمجرد عودته إلى تونس وضع مشروعات جديدة، وكان أبرز ما قام به من مشروعات تنظيمه للجيش على الاساليب الحديثة، وإنشاؤه لمدرسة حربية جلب إليها الأستاذة من أوروبا، وإحداث مصانع للأسلحة والذخيرة ودار لصناعة السفن وتكوين أسطول بحري.
وقد سار على منواله محمد باشا الذي ارتقى عرش تونس عام 1855م، وقد اشتهر هذا الملك بإصداره دستوراً حديثاً للدولة التونسية سُمّي « عهد الأمان » ( 10 سبتمبر سنة 1858م ) وهو أول دستور في العالم الإسلامي.
وفي عهد الصادق باي ـ وبفضل جهود المصلح الكبير الوزير خير الدين باشا ـ تمّ تعديل هذا الدستور عام 1861 وفقاً لمبدأ فصل السلطات وإقامة النظام البرلماني، وتأسيس مجلس تشريعي له سلطة واسعة منها حق خلع الأمير إذا خالف بتصرفاته أحكام الدستور. ونُظّمت الإدارة المركزية والإدارات المحلية تنظيماً عصرياً، كما نظّمت البلديات والمحاكم الشرعية وشؤون الأوقاف. وسُنّ قانون جديد يضمن للفلاحين حقوقهم، كما وُضع برنامج خاص لتوزيع الأراضي الزراعية الأميرية على سكان البادية. وأنشئ مجلس للعناية بالشؤون الصحيّة وإدارة لغابات الزيتونة وإدارة الأوقاف، ونُظّمت مناهج التعليم بجامع الزيتونة، وأُسست المدرسة الصادقية لدراسة العلوم الحديثة واللغات الأجنبية، كما أُرسلت البعثات العلمية إلى إيطاليا وفرنسا.
وهكذا كانت تونس تسير بخطى واسعة في سبيل التغيير إلى أن مُنيت بالاحتلال الفرنسي.
فأقامت فرنسا العراقيل في سبيل هذه النهضة وعطلت سيرها، وأعادت البعثات العلمية من أوروبا، وحوّلت مناهج التعليم بالمدرسة الصادقية إلى أن جعلتها مناهج لإخراج الموظفين والمترجمين فحسب.
ومنذ احتلال بلاد الجزائر سنة 1830م بدأت فرنسا توجّه أنظارها إلى تونس عاقدة العزم على وضع يدها عليها وبسط نفوذها فيها.
وقد بدأ التدخل الأجنبي يتسرب إلى تونس ويتّسع شيئاً فشيئاً في القرن التاسع عشر، ففُتحت أبواب البلاد للجاليات الأجنبية، وشرع الأمراء في استقدام الفنيين الأجانب وإعطائهم بعض الامتيازات، مما حمل القناصل على التدخل لحماية مصالحهم. ثم حملوا الدولة التونسية على أخذ قروض من أوروبا، وتمكنوا ـ بدعوى حماية هذه الأموال ـ من التدخل الفعلي في شؤون البلاد. وكان التنافس بين هذه الدول الأوروبية من العوامل التي ورّطت الدولة في مشروعات لا تعود عليها بفائدة تُذكر.
وهكذا ضيّقت هذه الدول الخناقَ على تونس ووضعت في عنقها أغلالاً عجزت عن التخلص منها فيما بعد.
وقد أدّت هذه الحالة بالدولة التونسية إلى فرض ضرائب مرهقة على الشعب لإداء الديون التي أثقلت كاهلها. ونتج عن هذا التصرف قيام ثورة في البلاد بزعامة علي بن غذاهم سنة 1864م.
وأمام الضغط الدولي وتحرّج الحالة الداخلية سلّمت الدولة ( مصلحة الجمارك ) للأجانب مقابل ما اقترضته من أموال. فزادت الأحوال اضطراباً، وانتهى الأمر بتكوين لجنة مالية دولية تحت رئاسة الجنرال خير الدين سنة 1286هـ ( 1870م ). وقد عملت هذه اللجنة على توحيد الديون، وكانت تبلغ 125 مليون فرنك، وما لبثت أن أصبحت هذه اللجنة ميداناً جديداً اشتد فيه النزاع والتنافس بين الدول، واتخذتها إيطاليا وانجلترا وسيلة لمقاومة النفوذ الفرنسي.
وعملت فرنسا نفسها على إحباط أعمال هذه اللجنة حتّى تزيد أحوال تونس استياء واضطراباً وتقتنع الدول بوجوب تسليم مقاليد الأمور إلى دولة واحدة هي فرنسا. وكان تنافس الدول ظاهراً في تسابقها للحصول على بعض الامتيازات في البلاد. وهكذا حصلت فرنسا على امتياز بإنشاء سكّة حديد بين تونس والجزائر سنة 1874م. وحاول القنصل الإيطالي أخذ امتياز إنشاء مصلحة التلغراف، فلم يفلح ولكنه حصل على شراء السكة الحديدية الممتدة بين تونس وحلق الوادي من شركة انجليزية بفضل ما بذله من أموال طائلة. وأخذ القنصل الفرنسي روسطان امتيازاً بإنشاء سكة حديدية أخرى بين تونس وبنزرت، وتونس وسوسة، وإنشاء ميناء بتونس.
وفي النهاية صمّمت فرنسا على أن تسبق، وظلّت تترقب الفرصة المناسبة وتهيّئ الظروف المساعدة ولو أدى الأمر إلى خلق هذه الظروف، فاتّخذت بعض المناوشات البسيطة التي كانت تحدث أحياناً على الحدود بين التونسيين والجزائريين سبباً للتدخل المباشر في شؤون تونس.
وبالرغم مما تعهد به الباي محمد الصادق في ذلك الحين من دفع الغرامات وضمان الأمن على الحدود.. زحفت الجيوش الفرنسية من الجزائر بدون سابق إنذار على القطر التونسي، بينما نزلت قوات أخرى من البحر في ميناء بنزرت ومنطقة طبرقة. وبعد معارك لم تَدُم طويلاً وصلت القوات الفرنسية يوم 12 مايو سنة 1881م إلى بلدة منوبة، وحُوصر الباي في قصره بباردو، وعَرَض عليه قائد الجيش الفرنسي الجنرال « بريار » والقنصل « روسطان » معاهدة « باردو » التي فرضت الحماية على تونس وكانت اعتداء صارخاً على سيادتها الداخلية والخارجية. ثم زادت فرنسا سيطرتها بما أسمته ( اتفاقية المرسى ) بتاريخ 8 حزيران ( يونيو ) سنة 1883م، ولم يتركا له الوقت للنظر فيها ولا لاستشارة شعبه، بل أجبراه على إمضائها. وهكذا تحت تأثير الوعيد وفي ظل احتلال الجيوش الفرنسية لعدة مناطق من البلاد أُكره محمد الصادق باي على إمضاء المعاهدة يوم 12 مايو 1881م.
ثم تجاوزت فرنسا حدود المعاهدتين اللتين فُرِضَتا على تونس فرضاً، فحلّت محل الدولة المحميّة، وحكمت البلاد حكماً مباشراً، وأصبح ممثلها بتونس الحاكمَ المستبد والرئيس الأعلى للإدارة التونسية.
ولم تكد الجيوش الفرنسية تحتل مناطق البلاد وتفرض حمايتها على تونس حتى ثار الشعب في وجهها، وعمّت الثورة جميع أنحاء البلاد. وزاد الثورة اشتعالاً تيقّنُ الشعب أن الباي أُرغم على عقد المعاهدة إرغاماً، مما دعاه إلى الاحتجاج لدى الدول الأجنبية ـ وبخاصة تركيا ـ على الاعتداء الفرنسي على بلاده. فاضطرت فرنسا أمام الثورة المندلعة في أنحاء البلاد إلى إرسال النجدات تلو النجدات لإخضاع البلاد إلى سلطانها.
وقد دامت المعارك الطاحنة حتى شهر شباط ( فبراير ) سنة 1882م. واشتهرت القيروان وسوسة وقابس والقلعة الصغيرة وزغوان وتستور بمقاومتها العنيفة، أما صفاقس فقد احتُلَّت بعد حصارها بحراً وبراً وبعد أن دُمِّرت تدميراً. وظلت المنطقة الجنوبية تقاوم بزعامة القائد الكبير علي بن خليفة حتّى عام 1910م.
وهكذا أظهر الشعب التونسي إرادته في عدم قبول الحماية التي فُرِضت عليه فرضاً فقاومها بالسلاح، ولما تغلّبت عليه القوة الغاشمة أبى أن يستسلم ويرضخ للمصير الذي أرادته له فرنسا، فأخذ يقاوم الحماية الفرنسية بالوسائل السياسية وبالثورات العنيفة بين الحين والآخر، ولم يَدَع فرصة تمرّ دون أن ينتهزها للتخلص من نير الاستعمار الفرنسي.
وقد سجّل شعب تونس في كفاحه من أجل الاستقلال صفحات رائعة من البطولة والتضحية، وكلما حاولت فرنسا القضاء على حركته التحريرية بجميع وسائل الإرهاب والاضطهاد عادت هذه الحركة أقوى نشاطاً وأشد بأساً، إلى أن ظفر هذا الشعب باستقلاله الناجز. وانتهى بعد ذلك حكم الدولة الحسينية وقامت الجمهورية سنة 1957م.

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

×