ماتلين و الرمال

وحدة المكان بين ماتلين و الرمال

و حدة المكان بين ماتلين و الرمال

كنت قد عاينت منذ فترة ليست بالبعيدة مقالا يهم الاثار المكتشفة في منطقة بنزرت و بالتحديد في منزل الجميل و لازلت احتفظ بها باللغة الفرنسية التي كتبت بها و لكني اليوم اكتشفت ان احد الاخوة الكرام قد قام بترجمة هذه الوثيقة .و انني اذ اتقدم اليه بالشكر الجزيل استسمحه ان اقوم بنشر هذه الترجمة على موقعي لما فيها من اهمية كبرى.

عثرت في عدد من أعداد المجلة التونسية (Revue Tunisienne)ع 23 س 1916 صص72-74 على مقال بعنوان(Note sur une station préhistorique aux environs de Bizerte   )   لـف فوبيس  هو بمثابة تعليق على اكتشاف أثري  لمرمدة تعود إلى عصر الانسان الأول  و قد كان عثر عليها سنة 1915 و هنا أورد ترجمة المقال  و أخشى ما أخشاه أن تكون الطريق السريعة تونس بنزرت قد طمرت بقايا هذا الموقع  داعيا المختصين إلى مزيد البحث و التحري.

تعليق حول  موقع أثري من عصر ما قبل التاريخ قرب بنزرت  

    هذا المكتوب ليس دراسة . و في الواقع الراهن  ليس يالامكان امتلاك الطمأنينة و لا وقت الفراغ الكافي  لإنجاز دراسة معمّقة ، مقارنة، شاملة. و إنما هو بكل بساطة تسجيل  لتواريخ بعنوان اكتشاف  أثري  و إرشادات  للمهتمين بدراسة عصر ما التاريخ  في الجزء الأقصى  من  إفريقيا الشمالية .
       و كثيرا ما قيل و أحيانا كتب أن إنسان ما قبل التاريخ لم يترك  على الشواطئ التونسية  آثارا تدل على  مروره من هناك . و إنما عبر عن وجوده  في المناطق  الداخلية و الجنوبية فحسب . فمن السّهل أن ينكر المرء وجود شيء ما(.....). و لذلك كثيرا ما سمعتهم يرددون "لم أصطد فرخ حجل  اليوم بل لا يوجد أي فرخ  هنا"و لكن الصياد  الصبور العنيد الساعي المفتون  بمخابئ  الصيد يبحث حيث يجب  أن يوجد الحجل .
     بحثت عن مرافق  رغم التأكيد على  أنه لا يوجد البتة  صيد و اكتفيت بالاستماع إلى حفيف ............ باستمرار تقريبا.
         كنت مقتنعا أن  السّواحل  الغنية بالسّمك و  المليئة بالمرتفعات في أقصى الشّمال الإفريقي ( بنزرت) لا بد أنها  تخبئ بقايا سلفنا  إنسان ما قبل التاريخ.
 كان الصيد رائعا ينتفع به ...؟؟؟
   و لطالما بحثت  في الهضاب وسط سخرية  المتشكّكين و إشفاق بعض   الأحبار  المتبجحين  المغرورين. و طالما  ذرعت الأراضي البور  و الكثبان على طول شواطئ الأزرق الكبير قرب بنزرت( عبثا ) بلا  جدوى.
          و أخيرا في أحد  الأيام  التقطت قطعة  هي عبارة  عن شفرة من الصوان مشظاة غير تامة و لكنها محكمة النحت .  لقد عثرت على المنشود.!
   و عندما  رفعت بصري  لتفحّص اللمسات و أكسيد البرنز اللاصق بالصوان في ضوء النهار الساطع  رأيت أمامي ربوة رمادية اللون متميزة : المرمدة . إنني  في قلب الموقع.
           ويوجد هذا الموقع على بعد  خمسة كيلومترات تقريبا شرقي مدينة بنزرت. فبعد اجتياز القنال  بواسطة البطاح  و السير  في طريق تونس   200  بعد النقطة الكيلومترية  59  . هناك يبدأ  طريق الرّمال و بتتبعه  كيلومترا تقريبا يجب التوقف  في الموضع  الذي تقطع فيه الطريق بأخرى  تمثل مقطع النار إذ توجد في الكثبان  مساحة فوق المرتفعات ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
     في هذا الموضع  ينبغي ترك  الطريق و التوجه  عموديا(تقاطعيا) نحو البحر حيث يوجد  بين ثنايا الموضع  كثيب ذو مساحة  (....)  ممتدة من  الشرق إلى الغرب  تحتلها و تحميها كثبان  متوازية...؟؟؟؟
        و في ذروة  الكثيب  المحفوظ  ربوة  اهليلجية  تمتد على طول 12 مترا تقريبا  و عرضها 10  أمتار  ذات ارتفاع  يتراوح بين  متر واحد و متر و  40 صم  . تتكون من  تراب و حصى  محترق ذي  لون رمادي   لا يمكن أن يخطئه الناظر وسط  الرّمال البيضاء :إنه الموقع الكلاسيكي. و لا يظهر أنه مُسَّ و إن كانت فوقه نباتات غابية عجفاء . و لكن كالعادة   لا شيء على السطح. لأن  الموقع الغيور  يحتفظ لنفسه  و يحمي تحت رماد آلاف السنين  الآثار  التي تسمح  وحدها  بتعيين تاريخ مضبوط  له  ببقايا  الطّعام و القطع المصنوعة من الصّوّّان  أو العظام  الملقاة بعدما  أصبحت غير صالحة  للاستعمال  أو حتى سليمة ، سواء كانت  قد سقطت في الرّماد السّاخن أو هي ربما  وهبت قربانا للنار  سيّدة الحرارة  و النّور  منضجة الأطعمة . إن التفتيش في الموقع عمل  أي عمل ذلك أنه لقلب  هذا المكعّب  من التّراب و غربلته  لا بد على الأقل  من شهر  من الكدّ المتواصل  و في الوقت الراهن  يصعب تخصيص شهر من الفراغ.  أمّّا مع الطّبقة  السّطحية  فها هنا المهمّة   الأسهل التي تتطلب  فقط بعض  أمسيات لتحديده  و جمع العينات من أمتعة و أسلحة من القطع المتنوعة  الكثيرة المتناثرة  على الأرض  بين  بقايا الفليس * الذي يكون تصلب(=تكثف القشرة الأرضية ) المتحجر  من الربوة  .
        هذا  المقطع يمسح تقريبا  25 مترا  في 8 أمتار في أقصى  مواطن عرضه و يتسع في  شكل هلال  في القسم  الجنوبي من الموقع  محيطا  بهذا الأخير من طرفيه. و هذا الانتصاب  جعل  الموقع في  حماية من رياح  البحر  كما مكّن هذا الانتصاب  ساكني الموقع من  أن لا يخسروا  شيئا من حرارة  الموقد  في الليالي الباردة .
   و أغلب الأشياء الموجودة مهشمة غير أنني  تمكنت  من التقاط  بعض القطع  الجميلة السليمة.
   هنا و في كل المواضع التي  يكون  فيها الصوان نادرا  كانت الشفرات  تشحذ أكثر من مرة  و تستعمل إلى الآخر . و كانت  بعض القوالب المعثور عليها  على عين المكان مستنفدة إلى أقصى  ما يستطاع.
         و هذا يمكن أن يدل  أيضا على  أن هذا الموقع  لم يكن سوى مخيم  للرّحّذل الذين  كانوا يأتون  في  فترات  معينة إلى الشاطئ لغاية  الصيد . و ينبغي أن يكونوا قد ترددوا على الموقع  لمدة طويلة و نبرهن على صحة ذلك بحجم  ما بقي  من الموقع  و من كم الوسائل المتشضية  الموجودة على عين المكان. و تشبه مجموعة الأشياء  الموجودة في الموقع  (باستثناء القطع الكبيرة ) تلك التي عثر عليها  الد.غوبار(Gobert) في مخيمات فج  النهلة و هنشير السواطير  و خاصة في  عين أعاشينا ؟؟؟ (Introduction à la Palethnologie Tunisienne E. Gobert Tunis 1914) و التي يطلق عليها Intergétuloneolitique  و لقد التقطت من عين المكان  بقايا صناعة شبيهة بتلك الموجودة في عين أعاشينا  و قاعدة مستودع  مخبأ صخرة  الرديف  ما عدا  العظام المعالجة لأن  هذه الأخيرة لا يمكن أن  توجد إلا في الموقع إن وجدت . و كما هو الشأن في  المخيمات  المذكورة سابقا  و المدروسة من قبل الد. إ . غوبار(Dr.E.Gobert) نجد في موقع بنزرت [لنسمه موقع الرمال] مجموعة  من الأشياء  متكونة خاصة من الصخور البركانية ، و المربعات المنحرفة و شفرات صغيرة  ذات متن (=ظهر) و أنصاف أقمار ؟؟؟؟؟ و شفرات صغيرة  مشذبة الظهور  منقوشة الجوانب  و مسامير دقيقة و مثاقب عديدة  بعضها دقيقة الصنع  و بعض  المكاشط الدائرية و أخيرا  بعض الشفرات  منحوتة الظهور و أنصال  مزخرفة .
     إن صناعة هذا الموقع  صناعة دقيقة : فالقطعة  الأكبر التي عثرت عليها ليس  حجمها أكبرمن 0.06 م و الأخرى الأصغر  أقل من 0.02م و هي موجودة بكثرة  كما نلاحظ على البعض الآخر  محاولات تزيين  بسويقات(؟بمقابض؟؟) أو حرير . أما  الصوان فهو تارة  مطلي بالأكسيد .............. و تارة أخرى  بدون ...............و الكثير من القطع  حافظت على قشرتها  الطبيعية . و إلى جانب ذلك وجدت  شضيتين من السيج*(=حجر زجاجي أسود)غير منحوتتين  و إنما أورد ذلك لمجرد الذكر . و من خلال  المقارنة التي تسنى  لي القيام  بها تنتمي  المنقولات التي وجدتها  في هذا الموقع لـ .... ( Au   Getulien) لأننا  نجد النوعين المميزين لهذه الفترة حسب غوبار و هما: الشفرة  ذات ... Abattu  و الازميل الجانبي ولكن كثرة الصخورالبركانية تمكن من تشبيب هذا المقطع وربطه بL' intergetuloneolithique ويظهر أن الفترة تجمع Le Getulien وl' Iberomaurusien حسب تقسيم بلاري(Pallary) لأن بعض  الأصناف المشتركة  أو المتقاربة جدا توجد مجتمعة . ثم هل نستطيع أن نقوم بفصل  جازم بين  مراحل تتداخل و تتشابك من دون تفتيش دقيق كامل ؟ و بالرغم من كل الاكتشافات  التي تتم على السطح  لا يمكن أن  يكون يتم تحديد الموقع  بطريقة ثابتة و أكيدة  إلا بعد  الفحص الدقيق  الشامل للمرمدة .

                                        ف فوبيس (F.Fobis) ديسمبر 1915. 

*  الفليس= اسم نعتي يطلق على  تكوينين مساميين من طبقات  الأرض : التكوين الرسوبي و التكوين  الثوراني (د سهيل ادريس  المنهل  قاموس  فرنسي عربي  ص 1238)

Ajouter un commentaire