عمر بن الشيخ

مفتي الديار التونسية و المدرس بجامع الزيتونة

يعدّ المربي عمر ابن الشيخ من أبرز مشاهير أعلام الثقافة في عهد محمود باي الذي حكم تونس، فقد كان عارفا بالفقه والتاريخ ومطلعا على ذخائر الادب العربي وخاصة القديم منه.
ففي عصره الذي امتد من 1824 الى سنة 1911 عرفت البلاد التونسية أحداثا هامة منها خروج «البايات» عن حكم العثمانيين وانفرادهم بتونس، أيضا بروز «عهد الأمان» سنة 1859 وضبط اختصاصات المحاكم الشرعية، وصدور ثالث جريدة بالبلاد العربية هي «الرائد الرسمي التونسي» التي ظهرت بتونس في بداية سنة 1860 في عهد الباي محمد الصادق كما تأسست في عهده (1859) أول مطبعة بتونس هي المطبعة الرسمية، كما عاش السنوات الاولى من انتصاب الحماية على البلاد. لقد كان شاهدا على أحداث عديدة فتأثر بها وحاول أن يسهم بطاقته الفكرية في هذه الملحمة من تاريخنا القومي.
نشأته وتعلّمه
ولد ببلدة الماتلين سنة 1824، رصد له والده كل ما عنده من ماديات لكي يثقفه بثقافة متينة تهيئه للحياة الاجتماعية، وفعلا نفذ الوالد ما صمم عليه، فعلّمه تعليما ابتدائيا راقيا شأن كل أبناء الذوات من أصحاب الثراء، وقبل أن يلحقه بالتعليم الزيتوني جرى حادث في هيئة التعليم بالزيتونة كان من أهم العوامل المؤثرة في نبوغ «عمر ابن الشيخ»، ويتمثل الحادث في أن العالم اللغوي الشهير «أحمد بن الطاهر بن لطيفة القلعي» أبعد عن التدريس بأمر من المشير الثالث سنة 1842 بسبب حادث اداري بسيط فاهتزت الاوساط العلمية بالزيتونة واستاءت كثيرا نظرا لما يتمتع به الاستاذ المذكور من شهرة ومعرفة وذكاء نادر، وعندما بلغت أصداء هذا الحادث أسماع المرحوم «أحمد بن الشيخ» أثارت فيه عاطفتين جميلتين هما عاطفة التعصّب لذلك النابغة المضطهد وعاطفة الحرص على إيثار ولده الذي تطلعت نفسه الى العلم والثقافة فسعى سعيا حثيثا وألح على «الاستاذ ابن الطاهر» وأقنعه في احترام أن يقبل منه نفس المرتب الذي كان يتقاضاه في الزيتونة ليخصص نفسه لتعليم ابنه «عمر» وتم الاتفاق وأصبح الاستاذ «أحمد بن الطاهر» أستاذا خاصة للمربي عمر ابن الشيخ ومربيا نحو حاله ووصيا عليه، ونتيجة لعناية أستاذه به وعطفه عليه تمكن الفقيد الاستاذ «عمر ابن الشيخ» من أن يتفوق ويفوز ويتأهل للانخراط في سلك تلامذة الزيتونة التي التحق بها تحت أنظار ذلك العالم الجليل الذي ظل يرعاه ويوجهه في حياته التعليمية، فتتلمذ على مشاهير أعلام الزيتونة في عهده أمثال محمد بن الخوجة، ومحمد معاوية ومحمد الحصار وحمدة ابن عاشور، ومحمد بن حمزة ومحمد الشاذلي ابن صالح.
وتخرجت على يدي المربي الفاضل «عمر بن الشيخ» نخب كثيرة من الطلبة وطبقات لا تحصى من أهل الثقافة والعلم والادب في ذلك العصر إذ قل من لم يتتلمذ عنه مباشرة أو بواسطة.
درس
«المواقف بشرح السيد» هو درس ابتدأه عام 1968، وكان لهذا الدرس شهرة واسعة لا بتونس فحسب بل وحتى في البلاد العربية الاخرى، وكان يعقده (أي الدرس) بمنزله فيضم المجلس كل ليلة مشائخ الزيتونة والمتفوقين من الطلبة لتحضير المسائل الغامضة، وقد استمر بالتدريس في هذا المجلس ما يزيد عن العشرين سنة، وليس أدل ولا أثبت على قيمة هذ الدرس وما يعطي فيه من تقرير وتبصير وتدقيق لأمهات المسائل العلمية هو حضور الاستاذ العظيم «الإمام محمد عبده» عند زياراته الاولى لتونس سنة 1882 وقد كان ختم هذه الدروس يوما مشهودا في تاريخ تونس الثقافي والعلمي إذ أنشد فيه كل شاعر من بدائع نظمه ما راق له وطاب.
المهمات التي اضطلع بها عمر ابن الشيخ
اختار المصلح «خير الدين التونسي» في أيام توليه لرئاسة الوزارة التونسية في أواخر القرن 18 (1873)، العلامة الفاضل «عمر ابن الشيخ» لوضع برنامج جديد لاصلاح التعليم وخاصة الزيتوني منه، وقد مكن هذا البرنامج تلاميذ الزيتونة من تلقي العلوم الدينية واللغوية وبعض المواد العصرية وأصبح بإمكانهم الرجوع الى المصادر الهامة في مختلف أنواع الثقافة التي وقع جمعها في المكتبتين الكبيرتين اللتين شارك «عمر ابن الشيخ» في إقامتهما في هذه الكلية العظيمة، كما وقع ضبط ساعات الدروس فصار الدرس لا يتجاوز ساعة ويقع بطريقة الالقاء، ثم يختتم بالاسئلة والاجوبة وبلغ تلاميذ الزيتونة في عهده 800 تلميذ.
وقد تولى قضاء باردو إثر انتقال أستاذه محمد ابن الشاذلي بن صالح من هذه الخطة الى خطة الافتاء وتعتبر خطة قضاء باردو من أهم الخطط السياسية في البلاد ناهيك وأن صاحبها يعد ملحقا بالهيئة الشرعية.
وإثر انتصاب الحماية سنة 1881، اقترح المقيم الفرنسي «كاميون» وضع قانون عقاري وبمقتضاه تأسس «المجلس المختلط» وانتخب المربي «عمر بن الشيخ» لرئاسة القسم التونسي فيه.
سمي سنة 1890 مفتيا مع احتفاظه بوظائفه الاخرى فكانت براعته مضرب الامثال.

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.